المسألة السادسة: المراد بالرقبة الجملة ، وقيل الأصل في هذا المجاز أن الأسير في العرب كان يجمع يداه إلى رقبته بحبل ، فإذا أطلق حل ذلك الحبل فسمي الاطلاق من الرقبة فك الرقبة ، ثم جرى ذلك على العتق ، ومذهب أهل الظاهر أن جميع الرقبات تجزيه . وقال الشافعي C: الرقبة المجزية في الكفارة كل رقبة سليمة من عيب يمنع من العمل ، صغيرة كانت أو كبيرة ، ذكرًا أو أنثى ، بعد أن تكون مؤمنة ، ولا يجوز إعتاق الكافرة في شيء من الكفارات ، ولا إعتاق المكاتب ، ولا شرء القريب ، وهذه المسائل قد ذكرناها في آية الظهار .
المسألة السابعة: لقائل أن يقول: أي فائدة لتقديم الاطعام على العتق مع أن العتق أفضل لا محالة .
قلنا له وجوه: أحدها: أن المقصود منه التنبيه على أن هذه الكفارة وجبت على التخيير لا على الترتيب لأنها لو وجبت على الترتيب لوجبت البداءة بالأغلظ ، وثانيها: قدم الاطعام لأنه أسهل لكون الطعام أعم وجودًا ، والمقصود منه التنبيه على أنه تعالى يراعي التخفيف والتسهيل في التكاليف ، وثالثها: أن الاطعام أفضل لأن الحر الفقير قد لا يجد الطعام ، ولا يكون هناك من يعطيه الطعام فيقع في الضر ، أما العبد فإنه يجب على مولاه إطعامه وكسوته .
ثم قال تعالى: { فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثلاثة أَيَّامٍ } وفيه مسائل:
المسألة الأولى: قال الشافعي C: إذا كان عنده قوته وقوت عياله يومه وليلته ومن الفضل ما يطعم عشرة مساكين لزمته الكفارة بالاطعام ، وإن لم يكن عنده هذا القدر جاز له الصيام وعند أبي حنيفة C ، يجوز له الصيام إذا كان عنده من المال ما لا يجب فيه الزكاة ، فجعل من لا زكاة عليه عادمًا .
حجة الشافعي C ، أنه تعالى علق جواز الصيام على عدم وجدان هذه الثلاثة ، والمعلق على الشرط عدم عند عدم الشرط ، فعند عدم وجدان هذه الثلاثة وجب أن لا يجوز الصوم ، تركنا العمل به عند وجدان قوت نفسه وقوت عياله يومًا وليلة لأن ذلك كالأمر المضطر إليه ، وقد رأينا في الشرع أنه متى وقع التعارض في حق النفس وحق الغير كان تقديم حق النفس واجبًا ، فوجب أن تبقى الآية معمولًا بها في غير هذه الصورة .
المسألة الثانية: قال الشافعي C في أصح قوليه: أنه يصوم ثلاثة أيام إن شاء متتابعة وإن شاء متفرقة .
وقال أبو حنيفة: يجب التتابع .
حجة الشافعي: أنه تعالى أوجب صيام ثلاثة أيام ، والآتي بصوم ثلاثة أيام على التفرق آت بصوم ثلاثة أيام ، فوجب أن يخرج عن العهدة .
حجة أبي حنيفة C ، ما روي في قراءة أُبي بن كعب وابن مسعود: فصوم ثلاثة أيام متتابعات ، وقراءتهما لا تختلف عن روايتهما .
والجواب أن القراءة الشاذة مردودة لأنها لو كانت قرآنًا لنقلت نقلًا متواترًا ، إذ لو جوزنا في القرآن أن لا ينقل على التواتر لزم طعن الروافض والملاحدة في القرآن وذلك باطل ، فعلمنا أن القراءة الشاذة مردودة ، فلا تصلح لأن تكون حجة . وأيضًا نقل في قراءة أُبي بن كعب أنه قرأ ( فعدة من أيام أُخر متتابعات ) مع أن التتابع هناك ما كان شرطًا ، وأجابوا عنه بأنه روي عن النبي A أن رجلًا قال له علي أيام من رمضان أفأقضيها متفرقات؟ فقال E: