فهرس الكتاب

الصفحة 267 من 8321

{ أَنَزَلَ مِنَ السماء مَاء فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا } [ الرعد: 17 ] فبحور العلم عند الله تعالى ، فأعطي الرسل منها أودية ، ثم أعطت الرسل من أوديتهم أنهارًا إلى العلماء ، ثم أعطت العلماء إلى العامة جداول صغارًا على قدر طاقتهم ، ثم أجرت العامة سواقي إلى أهاليهم بقدر طاقتهم . وعلى هذا ما روي في الخبر «للعلماء سر ، وللخلفاء سر . وللأنبياء سر ، وللملائكة سر ، ولله من بعد ذلك كله سر ، فلو اطلع الجهال على سر العلماء لأبادوهم ، ولو اطلع العلماء على سر الخلفاء لنابذوهم ، ولو اطلع الخلفاء على سر الأنبياء لخالفوهم ، ولو اطلع الأنبياء على سرالملائكة لاتهموهم ، ولو اطلع الملائكة على سر الله تعالى لطاحوا حائرين ، وبادوا بائرين» . والسبب في ذلك أن العقول الضعيفة لا تحتمل الأسرار القوية ، كما لا يحتمل نور الشمس أبصار الخفافيش ، فلما زيدت الأنبياء في عقولهم قدروا على احتمال أسرار النبوة ، ولما زيدت العلماء في عقولهم قدروا على احتمال أسرار ما عجزت العامة عنه ، وكذلك علماء الباطن ، وهم الحكماء زيد في عقولهم فقدروا على احتمال ما عجزت عنه علماء الظاهر . وسئل الشعبي عن هذه الحروف فقال: سر الله فلا تطلبوه ، وروى أبو ظبيان عن ابن عباس قال: عجزت العلماء عن إدراكها ، وقال الحسين بن الفضل: هو من المتشابه .

واعلم أن المتكلمين أنكروا هذا القول هذا القول ، وقالوا لا يجوز أن يرد في كتاب الله تعالى ما لا يكون مفهومًا للخلق ، واحتجوا عليه بالآيات والأخبار والمعقول .

حجج المتكلمين بالآيات:

أما الآيات فأربعة عشر . أحدها: قوله تعالى: { أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ القرءان أَمْ على قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا } [ محمد: 24 ] أمرهم بالتدبر في القرآن ، ولو كان غير مفهوم فكيف يأمرهم بالتدبر فيه وثانيها: قوله: { أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ القرءان وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اله لَوَجَدُواْ فِيهِ اختلافا كَثِيرًا } [ النساء: 82 ] فكيف يأمرهم بالتدبر فيه لمعرفة نفي التناقض والاختلاف مع أنه غير مفهوم للخلق؟ وثالثها: قوله: { وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبّ العالمين نَزَلَ بِهِ الروح الأمين على قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ المنذرين بِلِسَانٍ عَرَبِىّ مُّبِينٍ } [ الشعراء: 192 195 ] فلو لم يكن مفهومًا بطل كون الرسول A منذرًا به ، وأيضًا قوله: { بِلِسَانٍ عَرَبِىّ مُّبِينٍ } يدل على أنه نازل بلغة العرب ، وإذا كان الأمر كذلك وجب أن يكون مفهومًا . ورابعها: قوله: { لَعَلِمَهُ الذين يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ } [ النساء: 83 ] والاستنباط منه لا يمكن إلا مع الإحاطة بمعناه وخامسها: قوله { تِبْيَانًا لّكُلّ شَىْء } [ النحل: 89 ] وقوله { مَّا فَرَّطْنَا فِى الكتاب مِن شَىْء } [ الأنعام: 38 ] وسادسها: قوله: { هُدًى لّلنَّاسِ } [ البقرة: 185 ] ، { هُدًى لّلْمُتَّقِينَ } [ البقرة: 2 ] وغير المعلوم لا يكون هدى وسابعها: قوله: { حِكْمَةٌ بالغة } [ القمر: 5 ] وقوله: { وَشِفَاء لِمَا فِى الصدور وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لّلْمُؤْمِنِينَ } [ يونس: 57 ] وكل هذه الصفات لا تحصل في غير المعلوم وثامنها: قوله: { قَدْ جَاءكُمْ مّنَ الله نُورٌ وكتاب مُّبِينٌ }

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت