الوجه الثاني: في بيان السبب في منع الصرف ما ذكره الأخفش والفراء: وهو أن أشياء وزنه أفعلاء ، كقوله أصدقاء وأصفياء ، ثم إنهم استثقلوا اجتماع الياء والهمزتين فقدموا الهمزة ، فلما كان أشياء في الأصل أشيياء على وزن أصدقاء وأفعلاء ، وكان ذلك مما لا يجري فيه الصرف ، فكذا ههنا .
الوجه الثالث: ما ذكره الكسائي: وهو أن أشياء على وزن أفعال ، إلا أنهم لم يصرفوه لكونه شبيهًا في الظاهر بحمراء وصفراء ، وألزمه الزجاج أن لا ينصرف أسماء وأبناء ، وعندي أن سؤال الزجاج ليس بشيء ، لأن للكسائي أن يقول: القياس يقتضي ذلك في أبناء وأسماء ، إلا أنه ترك العمل به للنص ، لأن النص أقوى من القياس ، ولم يوجد النص في لفظ أشياء فوجب الجري فيه على القياس ، ولأن المحققين من النحويين اتفقوا على أن العلل النحوية لا توجب الاطراد ، ألا ترى أنا إذا قلنا الفاعلية توجب الرفع ، لزمنا أن نحكم بحصول الرفع في جميع المواضع ، كقولنا جاءني هؤلاء وضربني هذا بل نقول: القياس ذلك فيعمل به ، إلا إذا عارضه نص فكذا القول فيما أورده الزجاج على الكسائي .
المسألة الثالثة: روى أنس أنهم سألوا النبي A فأكثروا المسألة ، فقام على المنبر فقال: « سلوني فوالله لا تسألوني عن شيء ما دمت في مقامي هذا إلا حدثتكم به » فقام عبد الله بن حذافة السهمي وكان يطعن في نسبه ، فقال يا نبي الله من أبي فقال: « أبوك حذافة بن قيس » وقال سراقة بن مالك ويروي عكاشة بن محصن يا رسول الله: الحج علينا في كل عام فأعرض عنه رسول الله A حتى أعاد مرتين أو ثلاثة ، فقال E: « ويحك وما يؤمنك أن أقول نعم والله لو قلت نعم لوجبت ، ولو وجبت لتركتم ، ولو تركتم لكفرتم فاتركوني ما تركتكم فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم فإذا أمرتكم بشيء فائتوا منه ما استطعتم وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه » وقام آخر فقال: يا رسول الله أين أبي فقال « في النار » ولما اشتد غضب الرسول A قام عمر وقال: رضينا بالله ربًا وبالاسلام دينًا وبمحمد نبيًا فأنزل الله تعالى هذه الآية .
وأعلم أن السؤال عن الأشياء ربما يؤدي إلى ظهور أحوال مكتومة يكره ظهورها وربما ترتبت عليه تكاليف شاقة صعبة فالأولى بالعاقل أن يسكت عما لا تكليف عليه فيه ، ألا ترى أن الذي سأل عن أبيه فإنه لم يأمن أن يلحقه الرسول E بغير أبيه فيفتضح ، وأما السائل عن الحج فقد كاد أن يكون ممن قال النبي A فيه: