« إن الناس إذا رأوا المنكر فلم ينكروه يوشك أن يعمهم الله بعقاب » . والوجه الثاني في تأول الآية: ما روي عن ابن مسعود وابن عمر أنهما قالا قوله { عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ } يكون هذا في آخر الزمان: قال ابن مسعود لما قرئت عليه هذه الآية ليس هذا بزمانها ، ما دامت قلوبكم واحدة ولم تلبسوا شيعًا ولم يذق بعضكم بأس بعض ، فأمروا وانهوا فإذا اختلفت القلوب والأهواء وألبستم شيعًا ووكل كل امرىء ونفسه ، فعند ذلك جاء تأويل هذه الآية ، وهذا القول عندي ضعيف ، لأن قوله { ياأيهاَ الذين آمنوا } خطاب عام ، وهو أيضًا خطاب مع الحاضرين فكيف يخرج الحاضر ويخص الغائب .
والوجه الثالث في تأويل الآية: ما ذهب إليه عبد الله بن المبارك فقال: هذه أوكد آية في وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فإنه قال: { عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ } يعني عليكم أهل دينكم ولا يضركم من ضل من الكفار ، وهذا كقوله { فاقتلوا أَنفُسَكُمْ } [ البقرة: 54 ] يعني أهل دينكم فقوله { عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ } يعني بأن يعظ بعضكم بعضًا ويرغب بعضكم بعضًا في الخيرات ، وينفره عن القبائح والسيئات ، والذي يؤكد ذلك ما بينا أن قوله { عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ } معناه احفظوا أنفسكم فكان ذلك أمرًا بأن نحفظ أنفسنا فإن لم يكن ذلك الحفظ إلا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كان ذلك واجبًا .
والوجه الرابع: أن الآية مخصوصة بالكفار الذين علم أنه لا ينفعهم الوعظ ، ولا يتركون الكفر ، بسبب الأمر بالمعروف ، فهاهنا لا يجب على الإنسان أن يأمرهم بالمعروف ، والذي يؤكد هذا القول ما ذكرنا في سبب النزول أن الآية نازلة في المنافقين ، حيث عيروا المسلمين بأخذ الجزية من أهل الكتاب دون المشركين .
الوجه الخامس: أن الآية مخصوصة بما إذا خاف الإنسان عند الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على نفسه أو على عرضه أو على ماله ، فهاهنا عليه نفسه لا تضره ضلالة من ضل ولا جهالة من جهل ، وكان ابن شبرمة يقول: من فر من اثنين فقد فر ومن فر من ثلاثة فلم يفر .
الوجه السادس: لا يضركم إذا اهتديتم فأمرتم بالمعروف ونهيتم عن المنكر ضلال من ضل فلم يقبل ذلك .
الوجه السابع: { عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ } من أداء الواجبات التي من جملتها الأمر بالمعروف عند القدرة ، فإن لم يقبلوا ذلك فلا ينبغي أن تستوحشوا من ذلك فإنكم خرجتم عن عهدة تكليفكم فلا يضركم ضلال غيركم .