« الأرواح جنود مجندة » فالله تعالى خصّ عيسى بالروح الطاهرة النورانية المُشْرِقة العلوية الخَيّرة . ولقائل أن يقول: لما دلّت هذه الآية على أن تأييد عيسى إنما حصل من جبريل أو بسبب روحه المختص به ، قدح هذا في دلالة المعجزات على صدق الرسل ، لأنا قبل العلم بعصمة جبريل نجوز أنه أعان عيسى عليه السلام على ذلك ، على سبيل إغواء الخلق وإضلالهم فما لم تعرف عصمة جبريل لا يندفع هذا وما لم تعرف نبوّة عيسى عليه السلام لا تعرف عصمة جبريل ، فيلزم الدور وجوابه: ما ثبت من أصلنا أن الخالق ليس إلا الله وبه يندفع هذا السؤال .
وثانيها: قوله تعالى: { تُكَلّمُ الناس فِى المهد وَكَهْلًا } أما كلام عيسى في المهد فهو قوله { إِنّى عبد الله ءاتَانِىَ الكتاب } [ مريم: 30 ] وقوله { تُكَلّمُ الناس فِى المهد وَكَهْلًا } في موضع الحال . والمعنى: يكلمهم طفلًا وكهلًا من غير أن يتفاوت كلامه في هذين الوقتين وهذه خاصية شريفة كانت حاصلة له وما حصلت لأحد من الأنبياء قبله ولا بعده .
وثالثها: قوله تعالى: { وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل }
وفي { الكتاب } قولان: أحدهما: المراد به الكتابة وهي الخط . والثاني: المراد منه جنس الكتب . فإن الإنسان يتعلم أولًا كتبًا سهلة مختصرة ، ثم يترقى منها إلى الكتب الشريفة . وأما { الحكمة } فهي عبارة عن العلوم النظرية ، والعلوم العملية . ثم ذكر بعده { التوراة والإنجيل } وفيه وجهان: الأول: أنهما خصا بالذكر بعد ذكر الكتب على سبيل التشريف كقوله { حافظوا عَلَى الصلوات والصلاة الوسطى } [ البقرة: 238 ] وقوله { وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النبيين مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِن نُّوحٍ } [ الأحزاب: 7 ] والثاني: وهو الأقوى أن الاطلاع على أسرار الكتب الإلهية ، لا يحصل إلا لمن صار بانيًا في أصناف العلوم الشرعية والعقلية الظاهرة التي يبحث عنها العلماء . فقوله { والتوراة والإنجيل } إشارة إلى الأسرار التي لا يطلع عليها أحد إلا أكابر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام .
ورابعها: قوله تعالى: { وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطين كَهَيْئَةِ الطير بِإِذْنِى فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِى } وفيه مسائل:
المسألة الأولى: قرأ نافع { فَتَكُونُ طائرًا } والباقون { طَيْرًا } بغير ألف وطير جمع طائر كضأن وضائن وركب وراكب .
المسألة الثانية: أنه تعالى ذكر ههنا { فَتَنفُخُ فِيهَا } وذكر في آل عمران { فَأَنفُخُ فِيهِ } [ آل عمران: 49 ] .
والجواب: أن قوله { كَهَيْئَةِ الطير } أي هيئة مثل هيئة الطير فقوله { فَتَنفُخُ فِيهَا } الضمير للكاف ، لأنها صفة الهيئة التي كان يخلقها عيسى وينفخ فيها ولا يرجع إلى الهيئة المضاف إليها لأنها ليست من خلقه ولا نفخه في شيء .
إذا عرفت هذا فنقول: الكاف تؤنث بحسب المعنى لدلالتها على الهيئة التي هي مثل هيئة الطير وتذكر بحسب الظاهر . وإذا كان كذلك جاز أن يقع الضمير عنها تارة على وجه التذكير وأخرى على وجه التأنيث .