فهرس الكتاب

الصفحة 2709 من 8321

{ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ الله لاَ تُحْصُوهَا } [ إبراهيم: 34 ] فبتقدير: أن نسلم أن العبد يمكنه أن ينعم على الغير إلا أن نعم العبد كالقطرة ، ونعم الله لا نهاية لها أولًا وآخرًا وظاهرًا وباطنًا فلهذا السبب كان المستحق للحمد المطلق والثناء المطلق ليس إلا الله سبحانه فلهذا قال: { الحمد للَّهِ } .

المسألة الثالثة: إنما قال: { الحمد للَّهِ } ولم يقل: أحمد الله ، لوجوه: أحدها: أن الحمد صفة القلب وربما احتاج الإنسان إلى أن يذكر هذه اللفظة حال كونه غافلًا بقلبه عن استحضار معنى الحمد والثناء ، فلو قال في ذلك الوقت أحمد الله ، كان كاذبًا واستحق عليه الذم والعقاب ، حيث أخبر عن دعوى شيء مع أنه ما كان موجودًا . أما إذا قال: الحمد لله ، فمعناه: أن ماهية الحمد وحقيقته مسلمة لله تعالى . وهذا الكلام حق وصدق سواء كان معنى الحمد والثناء حاضرًا في قلبه أو لم يكن ، وكان تكلمه بهذا الكلام عبادة شريفة وطاعة رفيعة فظهر الفرق بين هذين اللفظين . وثانيها: روي أنه تعالى أوحى إلى داود عليه السلام يأمره بالشكر ، فقال داود: يا رب وكيف أشكرك؟ وشكري لك لا يحصل إلا أن توفقني لشكرك وذلك التوفيق نعمة زائدة وإنها توجب الشكر لي أيضًا وذلك يجر إلى ما لا نهاية له ولا طاقة لي بفعل ما لا نهاية له . فأوحى الله تعالى إلى داود: لما عرفت عجزك عن شكري فقد شكرتني .

إذا عرفت هذا فنقول: لو قال العبد أحمد الله كان دعوى أنه أتى بالحمد والشكر فيتوجه عليه ذلك السؤال . إنما لو قال: الحمد لله فليس فيه ادعاء أن العبد أتى بالحمد والثناء ، بل ليس فيه إلا أنه سبحانه مستحق للحمد والثناء سواء قدر على الإتيان بذلك الحمد أو لم يقدر عليه فظهر التفاوت بين هذين اللفظين من هذا الوجه ، وثالثها: أنه لو قال أحمد الله كان ذلك مشعرًا بأنه ذكر حمد نفسه ولم يذكر حمد غيره . أما إذا قال: الحمد لله ، فقد دخل فيه حمده وحمد غيره من أول خلق العالم إلى آخر استقرار المكلفين في درجات الجنان ودركات النيران ، كما قال تعالى: { وآخردعواهم فِيهَا سبحانك اللهم وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ } [ يونس: 10 ] فكان هذا الكلام أفضل وأكمل .

المسألة الرابعة: اعلم أن هذه الكلمة مذكورة في أول سور خمسة . أولها: الفاتحة ، فقال: { الحمد للَّهِ رَبّ العالمين } [ الفاتحة: 2 ] وثانيها: في تأويل هذه السورة ، فقال: { الحمد للَّهِ الذى خَلَقَ السموات والارض } [ الأنعام: 1 ] والأول أعم لأن العالم عبارة عن كل موجود سوى الله تعالى ، فقوله { الحمد لله ربّ العالمين } يدخل فيه كل موجود سوى الله تعالى . أما قوله الحمد لله ربّ العالمين يدخل فيه كل موجود سوى الله تعالى . أما قوله { الحمد للَّهِ الذى خَلَقَ السموات والارض } لا يدخل فيه إلا خلق السموات والأرض والظلمات والنور ، ولا يدخل فيه سائر الكائنات والمبدعات ، فكان التحميد المذكور في أول هذه السورة كأنه قسم من الأقسام الداخلة تحت التحميد المذكور في سورة الفاتحة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت