وتفصيل لتلك الجملة . وثالثها: سورة الكهف ، فقال: { الحمد لِلَّهِ الذى أَنْزَلَ على عَبْدِهِ الكتاب } [ الكهف: 1 ] وذلك أيضًا تحميد مخصوص بنوع خاص من النعمة وهو نعمة العلم والمعرفة والهداية والقرآن ، وبالجملة النعم الحاصلة بواسطة بعثة الرسل ، ورابعها: سورة سبأ وهي قوله { الحمد للَّهِ الذى لَهُ مَا فِى السموات وَمَا فِي الارض } [ سبأ: 1 ] وهو أيضًا قسم من الأقسام الداخلة تحت قوله { الحمد للَّهِ رَبّ العالمين } وخامسها: سورة فاطر ، فقال: { الحمد للَّهِ فَاطِرِ السموات والارض } [ فاطر: 1 ] وظاهر أيضًا أنه قسم من الأقسام الداخلة تحت قوله { الحمد للَّهِ رَبّ العالمين } فظهر أن الكلام الكلي التام هو التحميد المذكور في أول الفاتحة وهو قوله { الحمد للَّهِ رَبّ العالمين } وذلك لأن كل موجود فهو إما واجب الوجود لذاته ، وإما ممكن الوجود لذاته . وواجب الوجود لذاته واحد وهو الله سبحانه وتعالى وما سواه ممكن وكل ممكن فلا يمكن دخوله في الوجود إلا بإيجاد الله تعالى وتكوينه والوجود نعمة فالإيجاد إنعام وتربية ، فلهذا السبب قال: { الحمد للَّهِ رَبّ العالمين } وأنه تعالى المربي لكل ما سواه والمحسن إلى كل ما سواه . فذلك الكلام هو الكلام الكلي الوافي بالمقصود . أما التحميدات المذكورة في أوائل هذه السور فكان كل واحد منها قسم من أقسام ذلك التحميد ونوع من أنواعه .
فإن قيل: ما الفرق بين الخالق وبين الفاطر والرب؟ وأيضًا لم قال ههنا { خَلَقَ السموات والأرض } بصيغة فعل الماضي؟ وقال في سورة فاطر { الحمد للَّهِ فَاطِرِ السموات والأرض } بصيغة اسم الفاعل .
فنقول في الجواب عن الأول: الخلق عبارة عن التقدير وهو في حق الحق سبحانه عبارة عن علمه النافذ في جميع الكليات والجزئيات الواصل إلى جميع ذوات الكائنات والممكنات وأما كونه فاطرًا فهو عبارة عن الإيجاد والابداع ، فكونه تعالى خالقًا إشارة إلى صفة العلم ، وكونه فاطرًا إشارة إلى صفة القدرة ، وكونه تعالى ربًا ومربيًا مشتمل على الأمرين ، فكان ذلك أكمل .
والجواب عن الثاني: أن الخلق عبارة عن التقدير وهو في حق الله تعالى عبارة عن علمه بالمعلومات ، والعلم بالشيء صح تقدمه على وجود المعلوم . ألا ترى أنه يمكننا أن نعلم الشيء قبل دخوله في الوجود . أما إيجاد الشيء ، فإنه لا يحصل إلا حال وجود الأثر بناء على مذهبنا أن القدرة إنما تؤثر في وجود المقدور حال وجود المقدور . فلهذا السبب قال: { خَلَقَ السموات } والمراد أنه كان عالمًا بها قبل وجودها ، وقال: { فَاطِرَ السموات والأرض } والمراد أنه تعالى إنما يكون فاطرًا لها وموجدًا لها عند وجودها .