وإذا ثبت هذا فنقول: إنه لا معنى للخلق إلا التقدير . فلما دل العقل على حصول التقدير من هذه الوجوه العشرة ، وجب حصول الخلق من هذه الوجوه العشرة . فلهذا المعنى . قال: { الحمد للَّهِ الذى خَلَقَ السموات والارض } والله أعلم ، ومن الناس من قال المقصود من ذكر السموات والأرض والظلمات والنور التنبيه على ما فيها من المنافع .
واعلم أن منافع السموات أكثر من أن تحيط بجزء من أجزائها المجلدات ، وذلك لأن السموات بالنسبة إلى مواليد هذا العالم جارية مجرى الأب والأرض بالنسبة إليها جارية مجرى الأم فالعلل الفاعلة سماوية والعلل القابلة أرضية وبها يتم أمر المواليد الثلاثة . والاستقصاء في شرح ذلك لا سبيل له .
أما قوله { وَجَعَلَ الظلمات والنور } ففيه مسائل:
المسألة الأولى: لفظ { جَعَلَ } يتعدى إلى مفعول واحد إذا كان بمعنى أحدث وأنشأ كقوله تعالى: { وَجَعَلَ الظلمات والنور } وإلى مفعولين إذا كان بمعنى صير كقوله { وَجَعَلُواْ الملئكة الذين هُمْ عِبَادُ الرحمن إناثا } [ الزخرف: 19 ] والفرق بين الخلق والجعل أن الخلق فيه معنى التقدير ، وفي الجعل معنى التضمين والتصيير كإنشاء شيء من شيء ، وتصيير شيء شيئًا ، ومنه: قوله تعالى: { وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا } [ الأعراف: 189 ] وقوله { وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا } [ الرعد: 38 ] وقوله { أَجَعَلَ الألهة إلها واحدا } [ ص: 5 ] وإنما حسن لفظ الجعل ههنا لأن النور والظلمة لما تعاقبا صار كأنه كل واحد منهما إنما تولد من الآخر .
المسألة الثانية: في لفظ { الظلمات والنور } قولان: الأول: أن المراد منهما الأمران المحسوسان بحس البصر والذي يقوي ذلك أن اللفظ حقيقة فيهما . وأيضًا هذان الأمران إذا جعلا مقرونين بذكر السموات والأرض ، فإنه لا يفهم منهما إلا هاتان الكيفيتان المحسوستان والثاني: نقل الواحدي عن ابن عباس أنه قال { وَجَعَلَ الظلمات والنور } أي ظلمة الشرك والنفاق والكفر والنور يريد نور الإسلام والإيمان والنبوّة واليقين . ونقل عن الحسن أنه قال: يعني الكفر والإيمان ، ولا تفاوت بين هذين القولين ، فكان قول الحسن كالتلخيص لقول ابن عباس . ولقائل أن يقول حمل اللفظ على الوجه الأول أولى ، لما ذكرنا أن الأصل حمل اللفظ على حقيقته ، ولأن الظلمات والنور إذا كان ذكرهما مقرونًا بالسموات والأرض لم يفهم منه إلا ما ذكرناه . قال الواحدي: والأولى حمل اللفظ عليهما معًا . وأقول هذا مشكل لأنه حمل اللفظ على مجازه ، واللفظ الواحد بالاعتبار الواحد لا يمكن حمله على حقيقته ومجازه معًا .
المسألة الثالثة: إنما قدم ذكر الظلمات على ذكر النور لأجل أن الظلمة عبارة عن عدم النور عن الجسم الذي من شأنه قبول النور ، وليست عبارة عن كيفية وجودية مضادة للنور ، والدليل عليه أنه إذا جلس إنسان بقرب السراج ، وجلس إنسان آخر بالبعد منه ، فإن البعيد يرى القريب ويرى ذلك الهواء صافيًا مضيئًا ، وأما القريب فإنه لا يرى البعيد ويرى ذلك الهواء مظلمًا ، فلو كانت الظلمة كيفية وجودية لكانت حاصلة بالنسبة إلى هذين الشخصين المذكورين ، وحيث لم يكن الأمر كذلك علمنا أن الظلمة ليست كيفية وجودية .