وإذ ثبت هذا فنقول: عدم المحدثات متقدم على وجودها ، فالظلمة متقدمة في التقدير والتحقق على النور ، فوجب تقديمها في اللفظ ، ومما يقوي ذلك ما يروى في الأخبار الإلهية أنه تعالى خلق الخلق في ظلمة ، ثم رش عليهم من نوره .
المسألة الرابعة: لقائل أن يقول: لم ذكر الظلمات بصيغة الجمع ، والنور بصيغة الواحد؟ فنقول: أما من حمل الظلمات على الكفر والنور على الإيمان ، فكلامه ههنا ظاهر ، لأن الحق واحد والباطل كثير ، وأما من حملها على الكيفية المحسوسة ، فالجواب: أن النور عبارة عن تلك الكيفية الكاملة القوية ، ثم إنها تقبل التناقص قليلًا قليلًا ، وتلك المراتب كثيرة . فلهذا السبب عبّر عن الظلمات بصيغة الجمع .
أما قوله تعالى: { ثُمَّ الذين كَفَرُواْ بِرَبّهِمْ يَعْدِلُونَ }
فأعلم أن العدل هو التسوية . يقول: عدل الشيء بالشيء إذا سواه به ، ومعنى { يَعْدِلُونَ } يشركون به غيره .
فإن قيل: على أي شيء عطف قوله { ثُمَّ الذين كَفَرُواْ بِرَبّهِمْ يَعْدِلُونَ }
قلنا: يحتمل أن يكون معطوفًا على قوله { الحمد للَّهِ } على معنى أن الله حقيق بالحمد على كل ما خلق لأنه ما خلقه إلا نعمة { ثُمَّ الذين كَفَرُواْ بِرَبّهِمْ يَعْدِلُونَ } فيكفرون بنعمته ، ويحتمل أن يكون معطوفًا على قوله { خَلَقَ السموات والارض } على معنى أن خلق هذه الأشياء العظيمة التي لا يقدر عليها أحد سواه ، ثم إنهم يعدلون به جمادًا لا يقدر على شيء أصلًا .
فإن قيل: فما معنى ثم؟
قلنا: الفائدة فيه استبعاد أن يعدلوا به بعد وضوح آيات قدرته ، والله أعلم .