فإن قالوا هذا باطل لأنه تعالى حكم عليهم بكونهم كاذبين بقوله في آخر الآية { وَإِنَّهُمْ لكاذبون } والمتمني لا يوصف بكونه كاذبًا .
قلنا: لا نسلم أن المتمني لا يوصف بكونه كاذبًا لأن من أظهر التمني ، فقد أخبر ضمنًا كونه مريدًا لذلك الشيء فلم يبعد تكذيبه فيه ، ومثاله أن يقول الرجل: ليت الله يرزقني مالًا فأحسن إليك ، فهذا تمن في حكم الوعد ، فلو رزق مالًا ولم يحسن إلى صاحبه لقيل إنه كذب في وعده .
القول الثاني: أن التمني تمّ عند قوله { ياليتنا نُرَدُّ } وأما قوله { وَلاَ نُكَذّبَ بئايات رَبّنَا وَنَكُونَ مِنَ المؤمنين } فهذا الكلام مبتدأ وقوله تعالى في آخر الآية { وَإِنَّهُمْ لكاذبون } عائد إليه وتقدير الكلام يا ليتنا نرد ، ثم قالوا ولو رددنا لم نكذب بالدين وكنا من المؤمنين ، ثم إنه تعالى كذبهم وبيّن أنهم لو ردوا لكذبوا ولأعرضوا عن الإيمان .
المسألة الثانية: قرأ ابن عامر نرد ونكذب بالرفع فيهما ونكون بالنصب ، وقرأ حمزة وحفص عن عاصم نرد بالرفع ، ونكذب ونكون بالنصب فيهما ، في الثلاثة ، فحصل من هذا أنهم اتفقوا على الرفع في قوله { نُرَدُّ } وذلك لأنه داخلة في التمني لا محالة ، فأما الذين رفعوا قوله { وَلاَ نُكَذّبَ وَنَكُونَ } ففيه وجهان: الأول: أن يكون معطوفًا على قوله { نُرَدُّ } فتكون الثلاثة داخل في التمني ، فعلى هذا قد تمنوا الرد وأن لا يكذبوا وأن يكونوا من المؤمنين .
والوجه الثاني: أن يقطع ولا نكذب وما بعده عن الأول ، فيكون التقدير: يا ليتنا نرد ونحن لا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين ، فهم ضمنوا أنهم لا يكذبون بتقدير حصول الرد . والمعنى يا ليتنا نرد ونحن لا نكذب بآيات ربنا رددنا أو لم نرد أي قد عاينا وشاهدنا ما لا نكذب معه أبدًا . قال سيبويه: وهو مثل قولك دعني ولا أعود ، فههنا المطلوب بالسؤال تركه . فأما أنه لا يعود فغير داخل في الطلب ، فكذا هنا قوله { يا ليتنا نُرَدُّ } الداخل في هذا التمني الرد ، فأما ترك التكذيب وفعل الإيمان فغير داخل في التمني ، بل هو حاصل سواء حصل الرد أو لم يحصل ، وهذان الوجهان ذكرهما الزجاج والنحويون قالوا: الوجه الثاني أقوى ، وهو أن يكون الرد داخلًا في التمني ، ويكون ما بعده إخبارًا محضًا . واحتجوا عليه بأن الله كذبهم في الآية الثانية فقال: { وَإِنَّهُمْ لكاذبون } والمتمني لا يجوز تكذيبه ، وهذا اختيار أبي عمرو . وقد احتج على صحة قوله بهذه الحجة ، إلا أنا قد أجبنا عن هذه الحجة ، وذكرنا أنها ليست قوية ، وأما من قرأ { وَلاَ نُكَذِّبَ وَنَكُونَ } بالنصب ففيه وجوه: الأول: بإضمار ( أن ) على جواب التمني ، والتقدير: يا ليتنا نرد وأن لا نكذب . والثاني: أن تكون الواو مبدلة من الفاء ، والتقدير: يا ليتنا نرد فلا نكذب ، فتكون الواو ههنا بمنزلة الفاء في قوله