{ لَوْ أَنَّ لِى كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ المحسنين } [ الزمر: 58 ] ويتأكد هذا الوجه بما روي أن ابن مسعود كان يقرأ { فَلا نُكَذّبَ } بالفاء على النصب ، والثالث: أن يكون معناه الحال ، والتقدير: يا ليتنا نرد غير مكذبين ، كما تقول العرب لا تأكل السمك وتشرب اللبن أي لا تأكل السمك شاربًا للبن .
واعلم أن على هذه القراءة تكون الأمور الثلاثة داخلة في التمني . وأما أن المتمن كيف يجوز تكذيبه فقد سبق تقريره . وأما قراءة ابن عامر وهي أنه كان يرفع { وَلاَ نُكَذّبَ } وينصب { وَنَكُونَ } فالتقدير: أنه يجعل قوله { وَلاَ نُكَذّبَ } داخلًا في التمني ، بمعنى أنا إن رددنا غير مكذبين نكن من المؤمنين والله أعلم .
المسألة الثالثة: قوله { فَقَالُواْ ياليتنا نُرَدُّ وَلاَ نُكَذّبَ } لا شبهة في أن المراد تمني ردهم إلى حالة التكليف لأن لفظ الرد إذا استعمل في المستقبل من حال إلى حال ، فالمفهوم منه الرد إلى الحالة الأولى . والظاهر أن من صدر منه تقصير ثم عاين الشدائد والأحوال بسبب ذلك التقصير أنه يتمنى الرد إلى الحالة الأولى ، ليسعى في إزالة جميع وجوه التقصيرات . ومعلوم أن الكفار قصروا في دار الدنيا فهم يتمنون العود إلى الدنيا لتدارك تلك التقصيرات ، وذلك التدارك لا يحصل بالعود إلى الدينا فقط ، ولا بترك التكذيب ، و لا بعمل الإيمان بل إنما يحصل التدارك بمجموع هذه الأمور الثلاثة فوجب إدخال هذه الثلاثة تحت التمني .
فإن قيل: كيف يحسن منهم تمني الرد مع أنهم يعلمون أن الرد يحصل لا ألبتة .
والجواب من وجوه: الأول: لعلّهم لم يعلموا أن الرد لا يحصل . والثاني: أنهم وإن علموا أن ذلك لا يحصل؛ إلا أن هذا العلم لا يمنع من حصول إرادة الرد كقوله تعالى: { يُرِيدُونَ أَن يَخْرُجُواْ مِنَ النار } [ المائدة: 37 ] وكقوله { أَنْ أَفِيضُواْ عَلَيْنَا مِنَ الماء أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ الله } [ الأعراف: 50 ] فلما صح أن يريدوا هذه الأشياء مع العلم بأنها لا تحصل ، فبأن يتمنوه أقرب ، لأن باب التمني أوسع ، لأنه يصح أن يتمنى ما لا يصح أن يريد من الأمور الثلاثة الماضية .
ثم قال تعالى: { بَلْ بَدَا لَهُمْ مَّا كَانُواْ يُخْفُونَ مِن قَبْلُ } وفيه مسائل:
المسألة الأولى: معنى { بَلْ } ههنا رد كلامهم ، والتقدير: أنهم ما تمنوا العود إلى الدنيا ، وترك التكذيب ، وتحصيل الإيمان لأجل كونهم راغبين في الإيمان ، بل لأجل خوفهم من العقاب الذي شاهدوه وعاينوه . وهذا يدل على أن الرغبة في الإيمان والطاعة لا تنفع إلا إذا كانت تلك الرغبة رغبة فيه ، لكونه إيمانًا وطاعة ، فأما الرغبة فيه لطلب الثواب ، والخوف من العقاب فغير مفيد .