{ وَإِن مّنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خَلاَ فِيهَا نَذِيرٌ } [ فاطر: 24 ] وذلك تصريح بأن لكل طائفة من هذه الحيوانات رسولًا أرسله الله إليها . ثم أكدوا ذلك بقصة الهدهد ، وقصة النمل ، وسائر القصص المذكورة في القرآن .
واعلم أن القول بالتناسخ قد أبطلناه بالدلائل الجيدة في علم الأصول ، وأما هذه الآية فقد ذكرنا ما يكفي في صدق حصول المماثلة في بعض الأمور المذكورة ، فلا حاجة إلى إثبات ما ذكره أهل التناسخ . والله أعلم .
ثم قال تعالى: { مَّا فَرَّطْنَا فِى الكتاب مِن شَىْء } وفي المراد بالكتاب قولان:
القول الأول: المراد منه الكتاب المحفوظ في العرش وعالم السموات المشتمل على جميع أحوال المخلوقات على التفصيل التام ، كما قال عليه السلام: « جف القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة » .
والقول الثاني: أن المراد منه القرآن ، وهذا أظهر لأن الألف واللام إذا دخلا على الاسم المفرد انصرف إلى المعهود السابق ، والمعهود السابق من الكتاب عند المسلمين هو القرآن ، فوجب أن يكون المراد من الكتاب في هذه الآية القرآن .
إذا ثبت هذا فلقائل أن يقول: كيف قال تعالى: { مَّا فَرَّطْنَا فِى الكتاب مِن شَىْء } مع أنه ليس فيه تفاصيل علم الطب وتفاصيل علم الحساب ، ولا تفاصيل كثير من المباحث والعلوم ، وليس فيه أيضًا تفاصيل مذاهب الناس ودلائلهم في علم الأصول والفروع؟
والجواب: أن قوله { مَّا فَرَّطْنَا فِى الكتاب مِن شَىْء } يجب أن يكون مخصوصًا ببيان الأشياء التي يجب معرفتها ، والإحاطة بها وبيانه من وجهين: الأول: أن لفظ التفريط لا يستعمل نفيًا وإثباتًا إلا فيما يجب أن يبين لأن أحدًا لا ينسب إلى التفريط والتقصير في أن لا يفعل ما لا حاجة إليه ، وإنما يذكر هذا اللفظ فيما إذا قصر فيما يحتاج إليه . الثاني: أن جميع آيات القرآن أو الكثير منها دالة بالمطابقة أو التضمن أو الالتزام على أن المقصود من إنزال هذا الكتاب بيان الدين ومعرفة الله ومعرفة أحكام الله ، وإذا كان هذا التقييد معلومًا من كل القرآن كان المطلق ههنا محمولًا على ذلك المقيد . أما قوله إن هذا الكتاب غير مشتمل على جميع علوم الأصول والفروع .