فهرس الكتاب

الصفحة 2780 من 8321

فنقول: أما علم الأصول فإنه بتمامه حاصل فيه لأن الدلائل الأصلية مذكورة فيه على أبلغ الوجوه: فأما روايات المذاهب وتفاصيل الأقاويل ، فلا حاجة إليها ، وأما تفاصيل علم الفروع فنقول: للعلماء ههنا قولان: الأول: أنهم قالوا أن القرآن دل على أن الاجماع وخبر الواحد والقياس حجة في الشريعة فكل ما دل عليه أحد هذه الأصول الثلاثة ، كان ذلك في الحقيقة موجودًا في القرآن ، وذكر الواحدي C لهذا المعنى أمثلة ثلاثة:

المثال الأول: روي أن ابن مسعود كان يقول: مالي لا ألعن من لعنه الله في كتابه يعني الواشمة ، والمستوشمة ، والواصلة ، والمستوصلة ، وروي أن أمرأة قرأت جميع القرآن ، ثم أتته فقالت: يا ابن أم عبد ، تلوت البارحة ما بين الدفتين ، فلم أجد فيه لعن الواشمة والمستوشمة ، فقال: لو تلوتيه لوجدتيه ، قال الله تعالى: { وَمَا ءاتاكم الرسول فَخُذُوهُ } [ الحشر: 7 ] وإن مما أتانا به رسول الله أنه قال:"لعن الله الواشمة والمستوشمة"وأقول: يمكن وجدان هذا المعنى في كتاب الله بطريق أوضح من ذلك لأنه تعالى قال في سورة النساء: { وَإِن يَدْعُونَ إِلاَّ شيطانا مَّرِيدًا لَّعَنَهُ الله } [ النساء: 117 ، 118 ] فحكم عليه باللعن ، ثم عدد بعده قبائح أفعاله وذكر من جملتها قوله { وَلاَمُرَنَّهُمْ فليغيرن خَلَقَ الله } [ النساء: 119 ] وظاهر هذه الآية يقتضي أن تغيير الخلق يوجب اللعن .

المثال الثاني: ذكر أن الشافعي C كان جالسًا في المسجد الحرام فقال: «لا تسألوني عن شيء إلا أجبتكم فيه من كتاب الله تعالى» فقال رجل: ما تقول في المحرم إذا قتل الزنبور؟ فقال: «لا شيء عليه» فقال: أين هذا في كتاب الله؟ فقال: قال الله تعالى: { وَمَا ءاتاكم الرسول فَخُذُوهُ } ثم ذكر إسنادًا إلى النبي A أنه قال:"عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي"ثم ذكر إسنادًا إلى عمر Bه أنه قال: للمحرم قتل الزنبور . قال الواحدي: فأجابه من كتاب الله مستنبطًا بثلاث درجات ، وأقول: ههنا طريق آخر أقرب منه ، وهو أن الأصل في أموال المسلمين العصمة . قال تعالى: { لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكتسبت } [ البقرة: 286 ] وقال: { وَلاَ يَسْئَلْكُمْ أموالكم } [ محمد: 36 ] وقال: { لاَ تَأْكُلُواْ أموالكم بَيْنَكُمْ بالباطل إِلاَّ أَن تَكُونَ تجارة عَن تَرَاضٍ مّنْكُمْ } [ النساء: 29 ] فنهى عن أكل أموال الناس إلا بطريق التجارة فعند عدم التجارة وجب أن يبقى على أصل الحرمة ، وهذه العمومات تقتضي أن لا يجب على المحرم الذي قتل الزنبور شيء ، وذلك لأن التمسك بهذه العمومات يوجب الحكم بمرتبة واحدة .

وأما الطريق الذي ذكره الشافعي: فهو تمسك بالعموم على أربع درجات: أولها: التمسك بعموم قوله

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت