فهرس الكتاب

الصفحة 2781 من 8321

{ وَمَا ءاتاكم الرسول فَخُذُوهُ } [ الحشر: 7 ] وأحد الأمور الداخلة تحت هذا أمر النبي عليه السلام بمتابعة الخلفاء الراشدين ، وثانيها: التمسك بعموم قوله E: « عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي » وثالثها: بيان أن عمر Bه كان من الخلفاء الراشدين ، ورابعها: الرواية عن عمر أنه لم يوجب في هذه المسألة شيئًا ، فثبت أن الطريق الذي ذكرناه أقرب .

المثال الثالث: قال الواحدي: روي في حديث العسيف الزاني أن أباه قال للنبي A: اقض بيننا بكتاب الله فقال عليه السلام: « والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله » ثم قضى بالجلد والتغريب على العسيف ، وبالرجم على المرأة إن اعترفت . قال الواحدي: وليس للجلد والتغريب ذكر في نص الكتاب ، وهذا يدل على أن كل ما حكم به النبي A فهو عين كتاب الله .

وأقول: هذا المثال حق ، لأنه تعالى قال: { لِتُبَيّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ } [ النحل: 44 ] وكل ما بينه الرسول عليه السلام كان داخلًا تحت هذه الآية ، فثبت بهذه الأمثلة أن القرآن لما دل على أن الإجماع حجة ، وأن خبر الواحد حجة ، وأن القياس حجة ، فكل حكم ثبت بطريق من هذه الطرق الثلاثة ، كان في الحقيقة ثابتًا بالقرآن ، فعند هذا يصح قوله تعالى: { مَا فَرَّطْنَا فِى الكتاب مِن شَىْء } هذا تقرير هذا القول ، وهو الذي ذهب إلى نصرته جمهور الفقهاء . ولقائل أن يقول: حاصل هذه الوجه أن القرآن لما دل على خبر الواحد والقياس حجة ، فكل حكم ثبت بأحد هذين الأصلين كان في الحقيقة قد ثبت بالقرآن إلا أنا نقول: حمل قوله { مَّا فَرَّطْنَا فِى الكتاب مِن شَىْء } على هذا الوجه لا يجوز لأن قوله { مَّا فَرَّطْنَا فِى الكتاب مِن شَىْء } ذكر في معرض تعظيم هذا الكتاب والمبالغة في مدحه والثناء عليه ، ولو حملنا هذه الآية على هذا المعنى لم يحصل منه ما يوجب التعظيم ، وذلك لأنا لو فرضنا أن الله تعالى قال: اعملوا بالإجماع وخبر الواحد والقياس ، كان المعنى الذي ذكروه حاصلًا من هذا اللفظ والمعنى الذي يمكن تحصيله من هذا اللفظ القليل لا يمكن جعله واجبًا لمدح القرآن والثناء عليه لسبب اشتمال القرآن عليه ، لأن هذا إنما يوجب المدح العظيم والثناء التام لو لم يمكن تحصيله بطريق آخر أشد اختصارًا منه ، فأما لما بينا أن هذا القسم المقصود يمكن حمله وتحصيله باللفظ المختصر الذي ذكرناه علمنا أنه لا يمكن ذكره في تعظيم القرآن ، فثبت أن هذه الآية مذكورة في معرض تعظيم القرآن ، وثبت أن المعنى الذي ذكروه لا يفيد تعظيم القرآن ، فوجب أن يقال ، إنه لا يجوز حمل هذه الآية على هذا المعنى ، فهذا أقصى ما يمكن أن يقال في تقرير هذا القول .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت