فهرس الكتاب

الصفحة 279 من 8321

{ مَّن ذَا الذى يُقْرِضُ الله قَرْضًا حَسَنًا } [ البقرة: 245 ] ومعنى «ها» تنبيه ، فإذا قرب الشيء أشير إليه فقيل: هذا ، أي تنبه أيها المخاطب لما أشرت إليه فإنه حاضر لك بحيث تراه ، وقد تدخل الكاف على «ذا» للمخاطبة واللام لتأكيد معنى الإشارة فقيل: «ذلك» فكأن المتكلم بالغ في التنبيه لتأخر المشار إليه عنه ، فهذا يدل على أن لفظة ذلك لا تفيدالبعد في أصل الوضع ، بل اختص في العرف بالإشارة إلى البعيد للقرينة التي ذكرناها ، فصارت كالدابة ، فإنها مختصة في العرف بالفرس ، وإن كانت في أصل الوضع متناولة لكل ما يدب على الأرض ، وإذا ثبت هذا فنقول: إنا نحمله ههنا على مقتضى الوضع اللغوي ، لا على مقتضى الوضع . العرفي وحينئذٍ لا يفيد البعد؛ ولأجل هذه المقاربة يقام كل واحد من اللفظين مقام الآخر قال تعالى: { واذكر عِبَادَنَا إبراهيم وإسحاق } [ ص: 45 ] إلى قوله - { وَكُلٌّ مّنَ الأخيار } [ ص: 48 ] ثم قال: { هذا ذِكْرُ } [ الأنبياء: 24 ] وقال: { وَعِندَهُمْ قاصرات الطرف أَتْرَابٌ هذا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الحساب } [ ص: 52 - 53 ] وقال: { وَجَاءتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقّ ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ } [ ق: 19 ] وقال: { فَأَخَذَهُ الله نَكَالَ الأخرة والأولى إِنَّ فِى ذَلِكَ لَعِبْرَةً لّمَن يخشى } [ النازعات: 25- 26 ] وقال: { وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِى الزبور مِن بَعْدِ الذكر أَنَّ الأرض يَرِثُهَا عِبَادِىَ الصالحون } [ الأنبياء: 105 ] ثم قال: { إِنَّ فِى هذا لبلاغا لّقَوْمٍ عابدين } [ الأنبياء: 106 ] وقال: { فَقُلْنَا اضربوه بِبَعْضِهَا كذلك يحيى الله الموتى } [ البقرة: 73 ] أي هكذا يحيى الله الموتى ، وقال: { وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ ياموسى } [ طه: 17 ] أي ما هذه التي بيمينك والله أعلم .

المسألة الثانية: لقائل أن يقول: لم ذكر اسم الإشارة والمشار إليه مؤنث ، وهو السورة ، الجواب: لا نسلم أن المشار إليه مؤنث؛ لأن المؤنث إما المسمى أو الاسم ، والأول باطل ، لأن المسمى هو ذلك البعض من القرآن وهو ليس بمؤنث ، وأما الاسم فهو ( آلم ) وهو ليس بمؤنث ، نعم ذلك المسمى له اسم آخر وهو السورة وهو مؤنث ، لكن المذكور السابق هو الاسم الذي ليس بمؤنث وهو ( آلم ) ، لا الذي هو مؤنث وهو السورة .

مدلول لفظ «كتاب» :

المسألة الثالثة: اعلم أن أسماء القرآن كثيرة: أحدها: الكتاب وهو مصدر كالقيام والصيام وقيل: فعال بمعنى مفعول كاللباس بمعنى الملبوس ، واتفقوا على أن المراد من الكتاب القرآن قال: { كِتَابٌ أنزلناه إِلَيْكَ } [ ص: 29 ] والكتاب جاء في القرآن على وجوه: أحدها: الفرض { كُتِبَ عَلَيْكُمُ القصاص } [ البقرة: 178 ] { كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصيام } [ البقرة: 183 ] { إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابًا موقوتًا } [ النساء: 103 ] وثانيها: الحجة والبرهان { فَأْتُواْ بكتابكم إِن كُنتُمْ صادقين } [ الصافات: 157 ] أي برهانكم . وثالثها: الأجل { وَمَآ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلاَّ وَلَهَا كتاب مَّعْلُومٌ } [ الحجر: 4 ] أي أجل . ورابعها: بمعنى مكاتبة السيد عبده { والذين يَبْتَغُونَ الكتاب مِمَّا مَلَكَتْ أيمانكم } [ النور: 33 ] وهذا المصدر فعال بمعنى المفاعلة كالجدال والخصام والقتال بمعنى المجادلة والمخاصمة والمقاتلة ، واشتقاق الكتاب من كتبت الشيء إذا جمعته ، وسميت الكتيبة لاجتماعها ، فسمي الكتاب كتابًا لأنه كالكتيبة على عساكر الشبهات ، أو لأنه اجتمع فيه جميع العلوم ، أو لأن الله تعالى ألزم فيه التكاليف على الخلق .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت