فجوابه: أن الظلم عبارة عن وضع الشيء في غير موضعه ، والمعنى أو أولئك الضعفاء الفقراء كانوا يستحقون التعظيم من الرسول عليه السلام فإذا طردهم عن ذلك المجلس كان ذلك ظلمأْ ، إلا أنه من باب ترك الأولى والأفضل لا من باب ترك الواجبات وكذا الجواب عن سائر الوجوه فإنا نحمل كل هذه الوجوه على ترك الأفضل والأكمل والأولى والأحرى ، والله أعلم .
المسألة الثالثة: قرأ ابن عامر { بالغداة والعشى } بالواو وضم الغين وفي سورة الكهف مثله والباقون بالألف وفتح الغين . قال أبو علي الفارسي الوجه قراءة العامة بالغدة لأنها تستعمل نكرة فأمكن تعريفها بإدخال لام التعريف عليها . فأما ( غدوة ) فمعرفة وهو علم صيغ له ، وإذا كان كذلك ، فوجب أن يمتنع إدخال لام التعريف عليه ، كما يمتنع إدخاله على سائر المعارف . وكتبة هذه الكلمة بالواو في المصحف لا تدل على قولهم ، ألا ترى أنهم كتبوا «الصلوة» بالواو وهي ألف فكذا ههنا . قال سيبويه «غدوة وبكرة» جعل كل واحد منهما اسمًا للجنس كما جعلوا أم حبين اسمًا لدابة معروفة . قال وزعم يونس عن أبي عمرو أنك إذا قلت لقيته يومًا من الأيام غدوة أو بكرة وأنت تريد المعرفة لم تنون . فهذه الأشياء تقوي قراءة العامة ، وأما وجه قراءة ابن عامر فهو أن سيبويه قال زعم الخليل أنه يجوز أن يقال أتيتك اليوم غدوة وبكرة فجعلهما بمنزلة ضحوة ، والله أعلم .
المسألة الرابعة: في قوله { يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بالغداة والعشى } قولان: الأول: أن المراد من الدعاء الصلاة ، يعني يعبدون ربهم بالصلاة المكتوبة ، وهي صلاة الصبح وصلاة العصر وهذا قول ابن عباس والحسن ومجاهد .
وقيل: المراد من الغداة والعشى طرفا النهار ، وذكر هذين القسمين تنبيهًا على كونهم مواظبين على الصلوات الخمس .
والقول الثاني: المراد من الدعاء الذكر قال إبراهيم: الدعاء ههنا هو الذكر والمعنى يذكرون ربهم طرفي النهار .
المسألة الخامسة: المجسمة تمسكوا في إثبات الأعضاء لله تعالى بقوله { يُرِيدُونَ وَجْهَهُ } وسائر الآيات المناسبة له مثل قوله { ويبقى وَجْهُ رَبّكَ } [ الرحمن: 27 ] .
وجوابه أن قوله { قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ } [ الإخلاص: 1 ] يقتضي الوجدانية التامة ، وذلك ينافي التركيب من الأعضاء والأجزاء ، فثبت أنه لا بدّ من التأويل ، وهو من وجهين: الأول: قوله { يُرِيدُونَ وَجْهَهُ } المعنى يريدونه إلا أنهم يذكرون لفظ الوجه للتعظيم ، كما يقال هذا وجه الرأي وهذا وجه الدليل ، والثاني: أن من أحب ذاتًا أحب أن يرى وجهه ، فرؤية الوجه من لوازم المحبة ، فلهذا السبب جعل الوجه كناية عن المحبة وطلب الرضا وتمام هذا الكلام تقدم في قوله