{ وَلِلَّهِ المشرق والمغرب فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ الله } [ البقرة: 115 ] .
ثم قال تعالى: { مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مّن شَىْء وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مّن شَىْء } اختلفوا في أن الضمير في قوله { حِسَابِهِمْ } وفي قوله { عَلَيْهِمْ } إلى ماذا يعود؟
والقول الأول: أنه عائد إلى المشركين ، والمعنى ما عليك من حساب المشركين من شيء ولا حسابك على المشركين وإنما الله هو الذي يدبر عبيده كما يشاء وأراد . والغرض من هذا الكلام أن النبي A يتحمل هذا الاقتراح من هؤلاء الكفار ، فلعلّهم يدخلون في الإسلام ويتخلصون من عقاب الكفر ، فقال تعالى: لا تكن في قيد أنهم يتقون الكفر أم لا فإن الله تعالى هو الهادي والمدبر .
القول الثاني: أن الضمير عائد إلى الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي ، وهم الفقراء ، وذلك أشبه بالظاهر . والدليل عليه أن الكناية في قوله { فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظالمين } عائدة لا محالة إلى هؤلاء الفقراء ، فوجب أن يكون سائر الكنايات عائدة إليهم ، وعلى هذا التقدير فذكروا في قوله { مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مّن شَىْء } قولين: أحدهما: أن الكفار طعنوا في إيمان أولئك الفقراء وقالوا يا محمد إنهم إنما اجتمعوا عندك وقبلوا دينك لأنهم يجدون بهذا السبب مأكولًا وملبوسًا عندك ، وإلا فهم فارغون عن دينك ، فقال الله تعالى إن كان الأمر كما يقولون ، فما يلزمك إلا اعتبار الظاهر وإن كان لهم باطن غير مرضي عند الله ، فحسابهم عليه لازم لهم ، لا يتعدى إليك ، كما أن حسابك عليك لا يتعدى إليهم ، كقوله { وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أخرى } [ الأنعام: 164 ] .
فإن قيل: أما كفى قوله { مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مّن شَىْء } حتى ضم إليه قوله { وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مّن شَىْء }
قلنا: جعلت الجملتان بمنزلة جملة واحدة قصد بهما معنى واحد وهو المعنى في قوله { وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أخرى } ولا يستقل بهذا المعنى إلا الجملتان جميعًا ، كأنه قيل لا تؤاخذ أنت ولا هم بحساب صاحبه .
القول الثاني: ما عليك من حساب رزقهم من شيء فتملهم وتطردهم ، ولا حساب رزقك عليهم ، وإنما الرازق لهم ولك هو الله تعالى ، فدعهم يكونوا عندك ولا تطردهم .
وأعلم أن هذه القصة شبيهة بقصة نوح عليه السلام إذ قال له قومه { أَنُؤْمِنُ لَكَ واتبعك الأرذلون } [ الشعراء: 111 ] فأجابهم نوح عليه السلام و { قَالَ وَمَا عِلْمِى بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ إِنْ حِسَابُهُمْ إِلاَّ على رَبّى لَوْ تَشْعُرُونَ } [ الشعراء: 112 ، 113 ] وعنوا بقولهم { الأرذلون } الحاكة والمحترفين بالحرف الخسيسة ، فكذلك ههنا . وقوله { فَتَطْرُدَهُمْ } جواب النفي ومعناه ، ما عليك من حسابهم من شيء فتطردهم ، بمعنى أنه لم يكن عليك حسابهم حتى أنك لأجل ذلك الحساب تطردهم ، وقوله { فَتَكُونَ مِنَ الظالمين } يجوز أن يكون عطفًا على قوله { فَتَطْرُدَهُمْ } على وجه التسبب لأن كونه ظالمًا معلول طردهم ومسبب له . وأما قوله { فَتَكُونَ مِنَ الظالمين } ففيه قولان: الأول: { فَتَكُونَ مِنَ الظالمين } لنفسك بهذا الطرد ، الثاني: أن تكون من الظالمين لهم لأنهم لما استوجبوا مزيد التقريب والترحيب كان طردهم ظلمًا لهم ، والله أعلم .