فهرس الكتاب

الصفحة 2803 من 8321

أما قوله { كَتَبَ رَبُّكُمْ على نَفْسِهِ الرحمة } ففيه مسائل:

المسألة الأولى: قوله كتب كذا على فلان يفيد الإيجاب . وكلمة «على» أيضًا تفيد الإيجاب ومجموعهما مبالغة في الإيجاب . فهذا يقتضي كونه سبحانه راحمًا لعباده رحيمًا بهم على سبيل الوجوب واختلف العقلاء في سبب ذلك الوجوب فقال أصحابنا: له سبحانه أن يتصرف في عبيده كيف شاء وأراد ، إلا أنه أوجب الرحمة على نفسه على سبيل الفضل والكرم . وقالت المعتزلة: إن كونه عالمًا بقبح القبائح وعالمًا بكونه غنيًا عنها ، يمنعه من الإقدام على القبائح ولو فعله كان ظلمًا ، والظلم قبيح ، والقبيح منه محال . وهذه المسألة من المسائل الجلية في علم الأصول .

المسألة الثانية: دلت هذه الآية على أنه لا يمتنع تسمية ذات الله تعالى بالنفس وأيضًا قوله تعالى: { تَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِى وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِكَ } [ المائدة: 116 ] يدل عليه ، والنفس ههنا بمعنى الذات والحقيقة ، وأما بمعنى الجسم والدم فالله سبحانه وتعالى مقدس عنه . لأنه لو كان جسمًا لكان مركبًا والمركب ممكن وأيضًا أنه أحد ، والأحد لا يكون مركبًا ، وما لا يكون مركبًا لا يكون جسمًا وأيضًا أنه غني كما قال { والله الغنى } والغني لا يكون مركبًا وما لا يكون مركبًا لا يكون جسمًا وأيضًا الأجسام متماثلة في تمام الماهية ، فلو كان جسمًا لحصل له مثل ، وذلك باطل لقوله { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْء } [ الشورى: 11 ] فأما الدلائل العقلية فكثيرة ظاهرة باهرة قوية جلية والحمد لله عليه .

المسألة الثالثة: قالت المعتزلة قوله: { كَتَبَ رَبُّكُمْ على نَفْسِهِ الرحمة } ينافي أن يقال: إنه تعالى يخلق الكفر في الكافر ، ثم يعذبه عليه أبد الآباد ، وينافي أن يقال: إنه يمنعه عن الإيمان ، ثم يأمره حال ذلك المنع بالإيمان ، ثم يعذبه على ترك ذلك الإيمان . وجواب أصحابنا: أنه ضار نافع محيي مميت ، فهو تعالى فعل تلك الرحمة البالغة وفعل هذا القهر البالغ ولا منافاة بين الأمرين .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت