المسألة الرابعة: من الناس من قال: إنه تعالى لما أمر الرسول بأن يقول لهم: { سلام عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ على نَفْسِهِ الرحمة } كان هذا من قول الله تعالى ومن كلامه ، فهذا يدل على أنه سبحانه وتعالى قال لهم في الدنيا: { سلام عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ على نَفْسِهِ الرحمة } وتحقيق هذا الكلام أنه تعالى وعد أقوامًا بأنه يقول لهم بعد الموت { سَلاَمٌ قَوْلًا مّن رَّبّ رَّحِيمٍ } [ يس: 58 ] ثم إن أقوامًا أفنوا أعمارهم في العبودية حتى صاروا في حياتهم الدنيوية كأنهم انتقلوا إلى عالم القيامة ، لا جرم صار التسليم الموعود به بعد الموت في حق هؤلاء حال كونهم في الدنيا ، ومنهم من قال: لا ، بل هذا كلام الرسول E . وقوله: وعلى التقديرين فهو درجة عالية .
ثم قال تعالى: { أَنَّهُ مَن عَمِلَ مِنكُمْ سُوءا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِن بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ } وفيه مسائل:
المسألة الأولى: اعلم أن هذا لا يتناول التوبة من الكفر ، لأن هذا الكلام خطاب مع الذين وصفهم بقوله: { وَإِذَا جَاءكَ الذين يُؤْمِنُونَ بئاياتنا } فثبت أن المراد منه توبة المسلم عن المعصية ، والمراد من قوله { بِجَهَالَةٍ } ليس هو الخطأ والغلط ، لأن ذلك لا حاجة به إلى التوبة ، بل المراد منه ، أن تقدم على المعصية بسبب الشهوة ، فكان المراد منه بيان أن المسلم إذا أقدم على الذنب مع العلم بكونه ذنبًا ثم تاب منه توبة حقيقية فإن الله تعالى يقبل توبته .
المسألة الثانية: قرأ نافع { أَنَّهُ مَن عَمِلَ مِنكُمْ } بفتح الألف { فَأَنَّهُ غَفُورٌ } بكسر الألف ، وقرأ عاصم وابن عامر بالفتح فيهما ، والباقون بالكسر فيهما . أما فتح الأولى فعلى التفسير للرحمة ، كأنه قيل: كتب ربكم على نفسه أنه من عمل منكم . وأما فتح الثانية فعلى أن يجعله بدلًا من الأولى كقوله { أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتٌّمْ وَكُنتُمْ تُرَابًا وعظاما أَنَّكُمْ مُّخْرَجُونَ } [ المؤمنون: 85 ] وقوله { كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَن تَوَلاَّهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ } [ الحج: 4 ] وقوله { أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّهُ مَن يُحَادِدِ الله وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ } [ التوبة: 63 ] قال أبو علي الفارسي: من فتح الأولى فقد جعلها بدلًا من الرحمة ، وأما التي بعد الفاء فعلى أنه أضمر له خبرًا تقديره ، فله أنه غفور رحيم ، أي فله غفرانه ، أو أضمر مبتدأ يكون «أن» خبره كأنه قيل: فأمره أنه غفور رحيم . وأما من كسرهما جميعًا فلأنه لما قال { كَتَبَ رَبُّكُمْ على نَفْسِهِ الرحمة } فقد تم هذا الكلام ، ثم ابتدأ وقال { أَنَّهُ مَن عَمِلَ مِنكُمْ سُوءا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِن بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } فدخلت الفاء جوابًا للجزاء ، وكسرت إن لأنها دخلت على مبتدأ وخبر كأنك قلت فهو غفور رحيم . إلا أن الكلام بأن أوكد هذا قول الزجاج . وقرأ نافع الأولى بالفتح والثانية بالكسر ، لأنه أبدل الأولى من الرحمة ، واستأنف ما بعد الفاء . والله أعلم .