المسألة الخامسة: قرىء { ءَازَرَ } بالنصب وهو عطف بيان لقوله: { لاِبِيهِ } وبالضم على النداء ، وسألني واحد فقال: قرىء { ءَازَرَ } بهاتين القراءتين ، وأما قوله: { وَإِذْ قَالَ موسى لاِخِيهِ هارون } قرىء { هارون } بالنصب وما قرىء البتة بالضم فما الفرق؟ قلت القراءة بالضم محمولة على النداء والنداء بالاسم استخفاف بالمنادى . وذلك لائق بقصة إبراهيم عليه السلام لأنه كان مصرًا على كفره فحسن أن يخاطب بالغلظة زجرًا له عن ذلك القبيح ، وأما قصة موسى عليه السلام فقد كان موسى عليه السلام يستخلف هرون على قومه فما كان الاستخفاف لائقًا بذلك الموضع ، فلا جرم ما كانت القراءة بالضم جائزة .
المسألة السادسة: اختلف الناس في تفسير لفظ «الإله» والأصح أنه هو المعبود ، وهذه الآية تدل على هذا القول لأنهم ما أثبتوا للأصنام إلا كونها معبودة ، ولأجل هذا قال إبراهيم لأبيه: { أتتخذ أصنامًا آلهة } وذلك يدل على أن تفسير لفظ «الإله» هو المعبود .
المسألة السابعة: اشتمل كلام إبراهيم عليه السلام في هذه الآية على ذكر الحجة العقلية على فساد قول عبدة الأصنام من وجهين: الأول: أن قوله: { أتتخذ أصنامًا آلهة } يدل على أنهم كانوا يقولون بكثرة الآلهة؛ إلا أن القول بكثرة الآلهة باطل بالدليل العقلي الذي فهم من قوله تعالى: { لَوْ كَانَ فِيهِمَا الِهَةٌ إِلاَّ الله لَفَسَدَتَا } والثاني: أن هذه الأصنام لو حصلت لها قدرة على الخير والشر لكان الصنم الواحد كافيًا ، فلما لم يكن الواحد كافيًا دل ذلك على أنها وإن كثرت فلا نفع فيها ألبتة .
المسألة الثامنة: احتج بعضهم بهذه الآية على أن وجوب معرفة الله تعالى ووجوب الاشتغال بشكره معلوم بالعقل لا بالسمع . قال لأن إبراهيم عليه السلام حكم عليهم بالضلال ، ولولا الوجوب العقلي لما حكم عليهم بالضلال . لأن ذلك المذهب كان متقدمًا على دعوة إبراهيم . ولقائل أن يقول: إنه كان ضلالًا بحكم شرع الأنبياء الذين كانوا متقدمين على إبراهيم عليه السلام .