فهرس الكتاب

الصفحة 2842 من 8321

{ فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اليل رَأَى كَوْكَبًا } [ الأنعام: 76 ] فجرى ذكر هذا الاستدلال كالشرح والتفسير لتلك الإراءة فوجب أن يقال إن تلك الإراءة كانت عبارة عن هذا الاستدلال .

والحجة الثالثة: أنه تعالى قال في آخر الآية: { وَتِلْكَ حُجَّتُنَا ءاتيناها إبراهيم على قَوْمِهِ } والرؤية بالعين لا تصير حجة على قومه لأنهم كانوا غائبين عنها وكانوا يكذبون إبراهيم فيها وما كان يجوز لهم تصديق إبراهيم في تلك الدعوى إلا بدليل منفصل ومعجزة باهرة ، وإنما كانت الحجة التي أوردها إبراهيم على قومه في الاستدلال بالنجوم من الطريق الذي نطق به القرآن . فإن تلك الأدلة كانت ظاهرة لهم كما أنها كانت ظاهرة لإبراهيم .

والحجة الرابعة: أن إراءة جميع العالم تفيد العلم الضروري بأن للعالم إلهًا قادرًا على كل الممكنات . ومثل هذه الحالة لا يحصل للإنسان بسببها استحقاق المدح والتعظيم . ألا ترى أن الكفار في الآخرة يعرفون الله تعالى بالضرورة وليس لهم في تلك المعرفة مدح ولا ثواب . وأما الاستدلال بصفات المخلوقات على وجود الصانع وقدرته وحكمته فذاك هو الذي يفيد المدح والتعظيم .

والحجة الخامسة: أنه تعالى كما قال في حق إبراهيم عليه السلام { وَكَذَلِكَ نُرِى إبراهيم مَلَكُوتَ السموات والأرض } فكذلك قال في حق هذه الأمة: { سَنُرِيهِمْ ءاياتنا فِى الأفاق وَفِى أَنفُسِهِمْ } [ فصلت: 53 ] فكما كانت هذه الإراءة بالبصيرة الباطنة لا بالبصر الظاهر فكذلك في حق إبراهيم لا يبعد أن يكون الأمر كذلك .

الحجة السادسة: أنه عليه السلام لما تمم الاستدلال بالنجم والقمر والشمس قال بعده: { إِنّى وَجَّهْتُ وَجْهِىَ لِلَّذِى فَطَرَ السموات والأرض } [ الأنعام: 79 ] فحكم على السموات والأرض بكونها مخلوقة لأجل الدليل الذي ذكره في النجم والقمر والشمس . وذلك الدليل لو لم يكن عامًا في كل السموات والأرض لكان الحكم العام بناء على دليل خاص وأنه خطأ ، فثبت أن ذلك الدليل كان عامًا فكان ذكر النجم والقمر والشمس كالمثال لإراءة الملكوت . فوجب أن يكون المراد من إراءة الملكوت تعريف كيفية دلالتها بحسب تغيرها وإمكانها وحدوثها على وجود الإله العالم القادر الحكيم فتكون هذه الإراءة بالقلب لا بالعين .

الحجة السابعة: أن اليقين عبارة عن العلم المستفاد بالتأمل إذا كان مسبوقًا بالشك وقوله تعالى: { وَلِيَكُونَ مِنَ الموقنين } كالغرض من تلك الإراءة فيصير تقدير الآية نرى إبراهيم ملكوت السوات والأرض لأجل أن يصير من الموقنين . فلما كان اليقين هو العلم المستفاد من الدليل ، وجب أن تكون تلك الإراءة عبارة عن الاستدلال .

الحجة الثامنة: أن جميع مخلوقات الله تعالى دالة على وجود الصانع وقدرته باعتبار واحد وهو أنها محدثة ممكنة وكل محدث ممكن فهو محتاج إلى الصانع . وإذا عرف الإنسان هذا الوجه الواحد فقد كفاه ذلك في الاستدلال عى الصانع وكأنه بمعرفة هاتين المقدمتين قد طالع جميع الملكوت بعين عقله وسمع بأذن عقله شهادتها بالاحتياج والافتقار وهذه الرؤية رؤية باقية غير زائلة ألبتة . ثم إنها غير شاملة عن الله تعالى بل هي شاغلة للقلب والروح بالله . أما رؤية العين فالإنسان لا يمكنه أن يرى بالعين أشياء كثيرة دفعة واحدة على سبيل الكمال . ألا ترى أن من نظر إلى صحيفة مكتوبة فإنه لا يرى من تلك الصحيفة رؤية كاملة تامة إلا حرفًا واحدًا فإن حدق نظره إلى حرف آخر وشغل بصره به صار محرومًا عن إدراك الحرف الأول ، أو عن إبصاره . فثبت أن رؤية الأشياء الكثيرة دفعة واحدة غير ممكنة . وبتقدير أن تكون ممكنة هي غير باقية وبتقدير أن تكون باقية هي شاغلة عن الله تعالى . ألا ترى أنه تعالى مدح محمدًا E في ترك هذه الرؤية فقال:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت