فهرس الكتاب

الصفحة 2852 من 8321

المسألة السادسة: تفلسف الغزالي في بعض كتبه وحمل الكوكب على النفس الناطقة الحيوانية التي لكل كوكب ، والقمر على النفس الناطقة التي لكل فلك ، والشمس على العقل المجرد الذي لكل ذلك ، وكان أبو علي بن سيناء يفسر الأفول بالإمكان ، فزعم الغزالي أن المراد بأفولها إمكانها في نفسها ، وزعم أن المراد من قوله: { لا أُحِبُّ الأفلين } أن هذه الأشياء بأسرها ممكنة الوجود لذواتها ، وكل ممكن فلا بد له من مؤثر ، ولا بد له من الانتهاء إلى واجب الوجود .

واعلم أن هذا الكلام لا بأس به . إلا أنه يبعد حمل لفظ الآية عليه ، ومن الناس من حمل الكوكب على الحس والقمر على الخيال والوهم ، والشمس على العقل ، والمراد أن هذه القوى المدركة الثلاثة قاصرة متناهية ، ومدبر العالم مستول عليها قاهر لها ، والله أعلم .

المسألة السابعة: دل قوله: { لا أُحِبُّ الأفلين } على أحكام:

الحكم الأول

هذه الآية تدل على أنه تعالى ليس بجسم إذ لو كان جسمًا لكان غائبًا عنا أبدًا فكان آفلًا أبدًا ، وأيضًا يمتنع أن يكون تعالى ينزل من العرش إلى السماء تارة ويصعد من السماء إلى العرش أخرى ، وإلا لحصل معنى الأفول .

الحكم الثاني

هذه الآية تدل على أنه تعالى ليس محلًا للصفات المحدثة كما تقوله الكرامية ، وإلا لكان متغيرًا ، وحينئذ يحصل معنى الأفول ، وذلك محال .

الحكم الثالث

تدل هذه الآية على أن الدين يجب أن يكون مبنيًا على الدليل لا على التقليد ، وإلا لم يكن لهذا الاستدلال فائدة ألبتة .

الحكم الرابع

تدل هذه الآية على أن معارف الأنبياء بربهم استدلالية لا ضرورية ، وإلا لما احتاج إبراهيم إلى الاستدلال .

الحكم الخامس

تدل على هذه الآية على أنه لا طريق إلى تحصيل معرفة الله تعالى إلا بالنظر والاستدلال في أحوال مخلوقاته ، إذ لو أمكن تحصيلها بطريق آخر لما عدل إبراهيم عليه السلام إلى هذه الطريقة والله أعلم .

أما قوله تعالى: { فَلَمَّا رَأَى القمر بَازِغًا قَالَ هذا رَبّى فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِى رَبّى لأَكُونَنَّ مِنَ القوم الضالين } .

ففيه مسألتان:

المسألة الأولى: يقال: بزغ القمر إذا ابتدأ في الطلوع ، وبزغت الشمس إذا بدأ منها طلوع . ونجوم بوازغ . قال الأزهري: كأنه مأخوذ في البزغ وهو الشق كأنه بنوره يشق الظلمة شقًا ، ومعنى الآية أنه اعتبر في القمر مثل ما اعتبر في الكوكب .

المسألة الثانية: دل قوله: { لَئِن لَّمْ يَهْدِنِى رَبّى لأَكُونَنَّ مِنَ القوم الضالين } على أن الهداية ليست إلا من الله تعالى . ولا يمكن حمل لفظ الهداية على التمكن وإزاحة الأعذار ونصب الدلائل . لأن كل ذلك كان حاصلًا ، فالهداية التي كان يطلبها بعد حصول تلك الأشياء لا بد وأن تكون زائدة عليها .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت