فهرس الكتاب

الصفحة 2853 من 8321

واعلم أن كون إبراهيم عليه السلام على مذهبنا أظهر من أن يشتبه على العاقل لأنه في هذه الآية أضاف الهداية إلى الله تعالى ، وكذا في قوله: { الذى خَلَقَنِى فَهُوَ يَهْدِينِ } وكذا في قوله: { واجنبنى وَبَنِىَّ أَن نَّعْبُدَ الأصنام } .

أما قوله: { فَلَماَّ رَأَى الشمس بَازِغَةً قَالَ هذا رَبّى هذا أَكْبَرُ } ففيه مسائل:

المسألة الأولى: إنما قال في الشمس هذا مع أنها مؤنثة ، ولم يقل هذه لوجوه: أحدها: أن الشمس بمعنى الضياء والنور ، فحمل اللفظ على التأويل فذكر . وثانيها: أن الشمس لم يحصل فيها علامة التأنيث ، فلما أشبه لفظها لفظ المذكر وكان تأويلها تأويل النور صلح التذكير من هاتين الجهتين ، وثالثها: أراد هذا الطالع أو هذا الذي أراه ، ورابعها: المقصود منه رعاية الأدب ، وهو ترك التأنيث عند ذكر اللفظ الدال على الربوبية .

المسألة الثانية: قوله: { هذا أَكْبَرُ } المراد منه أكبر الكواكب جرمًا وأقواها قوة ، فكان أولى بالآلهية .

فإن قيل: لما كان الأفول حاصلًا في الشمس والأفول يمنع من صفة الربوبية ، وإذا ثبت امتناع صفة الربوبية للشمس كان امتناع حصولها للقمر ولسائر الكواكب أولى . وبهذا الطريق يظهر أن ذكر هذا الكلام في الشمس يغني عن ذكره في القمر والكواكب . فلم لم يقتصر على ذكر الشمس رعاية للإيجاز والاختصار؟

قلنا: إن الأخذ من الأدون فالأدون ، مترقيًا إلى الأعلى فالأعلى ، له نوع تأثير في التقرير والبيان والتأكيد لا يحصل من غيره ، فكان ذكره على هذا الوجه أولى .

أما قوله: { قَالَ يَا قَوْمِ إِنّى بَرِىء مّمَّا تُشْرِكُونَ } فالمعنى أنه لما ثبت بالدليل أن هذه الكواكب لا تصلح للربوبية والإلهية ، لا جرم تبرأ من الشرك .

ولقائل أن يقول: هب أنه ثبت بالدليل أن الكواكب والشمس والقمر لا تصلح للربوبية والإلهية لكن لا يلزم من هذا القدر نفي الشريك مطلقًا وإثبات التوحيد ، فلم فرع على قيام الدليل على كون هذه الكواكب غير صالحة للربوبية الجزم بإثبات التوحيد مطلقًا .

والجواب: أن القوم كانوا مساعدين على نفي سائر الشركاء وإنما نازعوا في هذه الصورة المعينة فلما ثبت بالدليل أن هذه الأشياء ليست أربابًا ولا آلهة ، وثبت بالاتفاق نفي غيرها لا جرم حصل الجزم بنفي الشركاء على الإطلاق .

أما قوله: { إِنّى وَجَّهْتُ وَجْهِىَ } ففيه مسألتان:

المسألة الأولى: فتح الياء من { وَجْهِىَ } نافع وابن عامر وحفص عن عاصم ، والباقون تركوا هذا الفتح .

المسألة الثانية: هذا الكلام لا يمكن حمله على ظاهره . بل المراد وجهت عبادتي وطاعتي ، وسبب جواز هذا المجاز أن من كان مطيعًا لغيره منقادًا لأمره ، فإنه يتوجه بوجهه إليه ، فجعل توجيه الوجه إليه كناية عن الطاعة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت