فهرس الكتاب

الصفحة 2876 من 8321

البحث الأول: اتفقوا على أن ههنا محذوفًا ، والتقدير: ولتنذر أهل أم القرى . واتفقوا على أن أم القرى هي مكة ، واختلفوا في السبب الذي لأجله سميت مكة بهذا الاسم . فقال ابن عباس: سميت بذلك ، لأن الأرضين دحيت من تحتها ومن حولها ، وقال أبو بكر الأصم: سميت بذلك لأنها قبل أهل الدنيا ، فصارت هي كالأصل وسائر البلاد والقرى تابعة لها ، وأيضًا من أصول عبادات أهل الدنيا الحج ، وهو إنما يحصل في تلك البلدة ، فلهذا السبب يجتمع الخلق إليها كما يجتمع الأولاد إلى الأم ، وأيضًا فلما كان أهل الدنيا يجتمعون هناك بسبب الحج ، لا جرم يحصل هناك أنواع من التجارات والمنافع ما لا يحصل في سائر البلاد ، ولا شك أن الكسب والتجارة من أصول المعيشة ، فلهذا السبب سميت مكة أم القرى . وقيل: إنما سميت مكة أم القرى لأن الكعبة أول بيت وضع للناس ، وقيل أيضًا: إن مكة أول بلدة سكنت في الأرض .

إذا عرفت هذا فنقول: قوله: { وَمَنْ حَوْلَهَا } دخل فيه سائر البلدان والقرى .

والبحث الثاني: زعمت طائفة من اليهود أن محمدًا E كان رسولًا إلى العرب فقط . واحتجوا على صحة قولهم بهذه الآية وقالوا إنه تعالى بين أنه إنما أنزل عليه هذا القرآن ليبلغه إلى أهل مكة وإلى القرى المحيطة بها ، والمراد منها جزيرة العرب ، ولو كان مبعوثًا إلى كل العالمين لكان التقييد بقوله: { لّتُنذِرَ أُمَّ القرى وَمَنْ حَوْلَهَا } باطلًا .

والجواب: أن تخصيص هذه المواضع بالذكر لا يدل على انتفاء الحكم فيما سواها إلا بدلالة المفهوم وهي ضعيفة ، لا سيما وقد ثبت بالتواتر الظاهر ، المقطوع به من دين محمد E أنه كان يدَّعي كونه رسولًا إلى كل العالمين ، وأيضًا قوله: { وَمَنْ حَوْلَهَا } يتناول جميع البلاد والقرى المحيطة بها ، وبهذا التقدير: فيدخل فيه جمع بلاد العالم ، والله أعلم .

البحث الثالث: قرأ عاصم في رواية أبي بكر { لّيُنذِرَ } بالياء جعل الكتاب هو المنذر ، لأن فيه إنذارًا ، ألا ترى أنه قال: { لينذروا به } أي بالكتاب ، وقال: { وَأَنذِرْ بِهِ } وقال: { إِنَّمَا أُنذِرُكُم بالوحى } فلا يمتنع إسناد الإنذار إليه على سبيل الاتساع ، وأما الباقون: فإنهم قرؤا { وَلِتُنذِرَ } بالتاء خطابًا للنبي A ، لأن المأمور والموصوف بالإنذار هو . قال تعالى: { إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرُ } وقال: { وَأَنذِرِ الذين يَخَافُونَ } .

ثم قال تعالى: { والذين يُؤْمِنُونَ بالأخرة يُؤْمِنُونَ بِهِ } وظاهر هذا يقتضي أن الإيمان بالآخرة جار مجرى السبب للإيمان بالرسول A . والعلماء ذكروا في تقرير هذه السببية وجوهًا: الأول: أن الذي يؤمن بالآخرة هو الذي يؤمن بالوعد والوعيد والثواب والعقاب ، ومن كان كذلك فإنه يعظم رغبته في تحصيل الثواب ، ورهبته عن حلول العقاب ، ويبالغ في النظر والتأمل في دلائل التوحيد والنبوة ، فيصل إلى العلم والإيمان . والثاني: أن دين محمد E مبني على الإيمان بالبعث والقيامة ، وليس لأحد من الأنبياء مبالغة في تقرير هذه القاعدة مثل ما في شريعة محمد E ، فلهذا السبب كان الإيمان بنبوة محمد E وبصحة الآخرة أمرين متلازمين ، والثالث: يحتمل أن يكون المراد من هذا الكلام التنبيه على إخراج أهل مكة من قبول هذا الدين ، لأن الحامل على تحمل مشقة النظر والاستدلال ، وترك رياسة الدنيا ، وترك الحقد والحسد ليس إلا الرغبة في الثواب ، والرهبة عن العقاب . وكفار مكة لما لم يعتقدوا في البعث والقيامة ، امتنع منهم ترك الحسد وترك الرياسة ، فلا جرم يبعد قبولهم لهذا الدين واعترافهم بنبوة محمد E .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت