فهرس الكتاب

الصفحة 2880 من 8321

والوجه الثالث: أن قوله: { أَخْرِجُواْ أَنفُسَكُمُ } أي أخرجوها إلينا من أجسادكم وهذه عبارة عن العنف والتشديد في إزهاق الروح من غير تنفيس وإمهال وأنهم يفعلون بهم فعل الغريم الملازم الملح يبسط يده إلى من عليه الحق ويعنف عليه في المطالبة ولا يمهله ، ويقول له: أخرج إلي ما لي عليك الساعة ولا أبرح من مكاني حتى أنزعه من أحداقك .

والوجه الرابع: أن هذه اللفظة كناية عن شدة حالهم وأنهم بلغوا في البلاء والشدة إلى حيث تولى بنفسه إزهاق روحه .

والوجه الخامس: أن قوله: { أَخْرِجُواْ أَنفُسَكُمُ } ليس بأمر ، بل هو وعيد وتقريع ، كقول القائل: امض الآن لترى ما يحل بك . قال المفسرون: إن نفس المؤمن تنشط في الخروج للقاء ربه ونفس الكافر تكره ذلك فيشق عليها الخروج ، لأنها تصير إلى أشد العذاب ، كما قال رسول الله A: « من أراد لقاء الله أراد الله لقاءه ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه » وذلك عند نزع الروح ، فهؤلاء الكفار تكرههم الملائكة على نزع الروح:

المسألة الثانية: الذين قالوا إن النفس الإنسانية شيء غير هذا الهيكل وغير هذا الجسد احتجوا عليه بهذه الآية ، وقالوا: لا شك أن قوله: { أَخْرِجُواْ أَنفُسَكُمُ } معناه: أخرجوا أنفسكم عن أجسادكم ، وهذا يدل على أن النفس مغايرة للأجساد إلا أنا لو حملنا الآية على الوجهين الأولين من التأويلات الخمسة المذكورة ، لم يتم هذا الاستدلال .

ثم قال تعالى: { اليوم تُجْزَوْنَ عَذَابَ الهون } قال الزجاج: عذاب الهون أي العذاب الذي يقع به الهوان الشديد . قال تعالى: { أَيُمْسِكُهُ على هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِى التراب } [ النحل: 59 ] والمراد منه أنه تعالى جمع هناك بين الإيلام وبين الإهانة ، فإن الثواب شرطه أن يكون منفعة مقرونة بالتعظيم ، فكذلك العقاب شرطه أن يكون مضرة مقرونة بالإهانة . قال بعضهم: الهون هو الهوان ، والهون هو الرفق والدعة . قال تعالى: { وَعِبَادُ الرحمن الذين يَمْشُونَ على الأرض هَوْنًا } [ الفرقان: 63 ] وقوله: { بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى الله غَيْرَ الحق وَكُنتُمْ عَنْ ءاياته تَسْتَكْبِرُونَ } [ الأنعام: 93 ] وذلك يدل أن هذا العذاب الشديد إنما حصل بسبب مجموع الأمرين الافتراء على الله ، والتكبر على آيات الله . وأقول: هذان النوعان من الآفات والبلاء ترى أكثر المتوسمين بالعلم متوغلين فيه مواظبين عليه نعوذ بالله منه ومن آثاره ونتائجه . وذكر الواحدي: أن المراد بقوله: { وَكُنتُمْ عَنْ ءاياته تَسْتَكْبِرُونَ } أي لا تصلون له قال عليه السلام: « من سجد لله سجدة بنية صادقة فقد برىء من الكبر » .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت