فهرس الكتاب

الصفحة 2891 من 8321

إذا عرفت هذا فكونه سبحانه فالقًا للأصباح في كونه دليلًا على كمال قدرة الله تعالى أجل أقسام الدلائل ، وفي كونه فضلًا ورحمة وإحسانًا من الله تعالى على الخلق أجل الأقسام وأشرف الأنواع فهذا ما حضرنا في تقرير دلالة قوله تعالى: { فَالِقُ الإصباح } على وجود الصانع القادر المختار الحكم . والله أعلم .

ولنختم هذه الدلائل بخاتمة شريفة فنقول: إنه تعالى فالق ظلمة العدم بصباح التكوين والإيجاد وفالق ظلمة الجمادية بصباح الحياة والعقل والرشاد ، وفالق ظلمة الجهالة بصباح العقل والإدراك ، وفالق ظلمات العالم الجسماني بتخليص النفس القدسية إلى صبحة عالم الأفلاك ، وفالق ظلمات الاشتغال بعالم الممكنات بصباح نور الاستغراق في معرفة مدبر المحدثات والمبدعات .

المسألة الثالثة: في تفسير { الإصباح } وجوه: الأول: قال الليث: الصبح والصباح هما أول النهار وهو الإصباح أيضًا . قال تعالى: { فَالِقُ الإصباح } يعني الصبح . قال الشاعر:

أفنى رياحًا وبنى رياح ... تناسخ الإمساء والإصباح

والقول الثاني: أن { الإصباح } مصدر سمي به الصبح .

فإن قيل: ظاهر الآية يدل على أنه تعالى فلق الصبح وليس الأمر كذلك فإن الحق أنه تعالى فلق الظلمة بالصبح فكيف الوجه فيه؟ فنقول فيه وجوه: الأول: أن يكون المراد فالق ظلمة الإصباح ، وذلك لأن الأفق من الجانب الشمالي والغربي والجنوبي مملوء من الظلمة والنور . وإنما ظهر في الجانب الشرقي فكأن الأفق كان بحرًا مملوءًا من الظلمة . ثم إنه تعالى شق ذلك البحر المظلم بأن أجرى جدولًا من النور فيه ، والحاصل أن المراد فالق ظلمة الإصباح بنور الإصباح ولما كان المراد معلومًا حسن الحذف . والثاني: أنه تعالى كما يشق بحر الظلمة عن نور الصبح فكذلك يشق نور الصبح عن بياض النهار فقوله: { فَالِقُ الإصباح } أي فالق الإصباح ببياض النهار . والثالث: أن ظهور النور في الصباح أنما كان لأجل أن الله تعالى فلق تلك الظلمة فقوله: { فَالِقُ الإصباح } أي مظهر الإصباح إلا أنه لما كان المقتضى لذلك الإظهار هو ذلك الفلق لا جرم ذكر اسم السبب والمراد منه المسبب . الرابع: قال بعضهم: الفالق هو الخالق فكان المعنى خالق الإصباح وعلى هذا التقدير فالسؤال زائل والله أعلم .

أما قوله تعالى: { وجعل الليل سكنًا } فاعلم أنه تعالى ذكر في هذه الآية ثلاثة أنواع من الدلائل الفلكية على التوحيد . فأولها: ظهور الصباح وقد فسرناه بمقدار الفهم . وثانيها: قوله { وجعل الليل سكنًا } وفيه مباحث:

المبحث الأول: قال صاحب «الكشاف» : السكن ما يسكن إليه الرجل ويطمئن إليه استئناسًا به واسترواحًا إليه من زوج أو حبيب ، ومنه قيل: للنار سكن لأنه يستأنس بها ألا تراهم سموها المؤنسة . ثم إن الليل يطمئن إليه الإنسان لأنه أتعب نفسه بالنهار واحتاج إلى زمان يستريح فيه وذلك هو الليل .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت