فإن قيل: أليس أن الخلق يبقون في الجنة في أهنأ عيش ، وألذ زمان مع أنه ليس هناك ليل؟ فعلمنا أن وجود الليل والنهار ليس من ضروريات اللذة والخير في الحياة قلنا: كلامنا في أن الليل والنهار من ضروريات مصالح هذا العالم ، أما في الدار الآخرة فهذه العادات غير باقية فيه فظهر الفرق .
المبحث الثاني: قرأ عاصم والكسائي { وَجَعَلَ اليل } على صيغة الفعل ، والباقون جاعل على صيغة اسم الفاعل حجة من قرأ باسم الفاعل أن المذكور قبله اسم الفاعل ، وهو قوله: { فَالِقُ الحب * فَالِقُ الإصباح } ( الأنعام95-96 ) وجاعل أيضًا اسم الفاعل . ويجب كون المعطوف مشاركًا للمعطوف عليه ، وحجة من قرأ بصيغة الفعل أن قوله: { والشمس والقمر } منصوبان ولا بد لهذا النصب من عامل ، وما ذاك إلا أن يقدر قوله: { وَجَعَلَ } بمعنى وجاعل الشمس والقمر حسبانًا وذلك يفيد المطلوب .
وأما قوله تعالى: { والشمس والقمر حُسْبَانًا } ففيه مباحث:
المبحث الأول: معناه أنه قدر حركة الشمس والقمر بحساب معين كما ذكره في سورة يونس في قوله: { هُوَ الذى جَعَلَ الشمس ضِيَاءً والقمر نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السنين والحساب } [ يونس: 5 ] وقال في سورة الرحمن: { الشمس والقمر بِحُسْبَانٍ } [ الرحمن: 5 ] وتحقيق الكلام فيه أنه تعالى قدر حركة الشمس مخصوصة بمقدار من السرعة والبطء بحيث تتم الدورة في سنة ، وقدر حركة القمر بحيث يتم الدورة في شهر ، وبهذه المقادير تنتظم مصالح العالم في الفصول الأربعة ، وبسببها يحصل ما يحتاج إليه من نضج الثمار ، وحصول الغلات ، ولو قدرنا كونها أسرع أو أبطأ مما وقع ، لاختلت هذه المصالح فهذا هو المراد من قوله: { والشمس والقمر حُسْبَانًا } .
المبحث الثاني: في الحسبان قولان: الأول: وهو قول أبي الهيثم أنه جمع حساب مثل ركاب وركبان وشهاب وشهبان . والثاني: أن الحسبان مصدر كالرجحان والنقصان . وقال صاحب «الكشاف» : الحسبان بالضم مصدر حسب ، كما أن الحسبان بالكسر مصدر حسب ، ونظيره الكفران والغفران والشكران .
إذا عرفت هذا فنقول: معنى جعل الشمس والقمر حسبانًا جعلهما على حساب . لأن حساب الأوقات لا يعلم إلا بدورهما وسيرهما .
المبحث الثالث: قال صاحب «الكشاف» : { والشمس والقمر } قرئا بالحركات الثلاث ، فالنصب على إضمار فعل دل عليه قوله: { جَاعِلِ اليل } أي وجعل الشمس والقمر حسبانًا ، والجر عطف على لفظ الليل ، والرفع على الابتداء ، والخبر محذوف تقديره ، والشمس والقمر مجعولان حسبانًا: أي محسوبان .
ثم إنه تعالى ختم الآية بقوله: { ذلك تَقْدِيرُ العزيز العليم } والعزيز إشارة إلى كمال قدرته والعليم إشارة إلى كمال علمه ، ومعناه أن تقدير إجرام الأفلاك بصفاتها المخصوصة وهيئاتها المحدودة ، وحركاتها المقدرة بالمقادير المخصوصة في البطء والسرعة لا يمكن تحصيله إلا بقدرة كاملة متعلقة بجميع الممكنات وعلم نافذ في جميع المعلومات من الكليات والجزئيات ، وذلك تصريح بأن حصول هذه الأحوال والصفات ليس بالطبع والخاصة ، وإنما هو بتخصيص الفاعل المختار . والله أعلم .