فهرس الكتاب

الصفحة 2903 من 8321

والبحث الثاني: يقال: اشتبه الشيآن وتشابها كقولك استويا وتساويا ، والافتعال والتفاعل يشتركان كثيرًا ، وقرىء { متشابها وَغَيْرَ متشابه } .

والبحث الثالث: إنما قال مشتبهًا ولم يقل مشتبهين إما اكتفاء بوصف أحدهما ، أو على تقدير: والزيتون مشتبهًا وغير متشابه والرمان كذلك كقوله:

رماني بأمر كنت منه ووالدي ... بريا ومن أجل الطوى رماني

ثم قال تعالى: { انظروا إلى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ } وفيه مباحث:

البحث الأول: قرأ حمزة والكسائي { ثَمَرِهِ } بضم الثاء والميم ، وقرأ أبو عمرو { ثَمَرِهِ } بضم الثاء وسكون الميم والباقون بفتح الثاء والميم . أما قراءة حمزة والكسائي: فلها وجهان:

الوجه الأول: وهو الأبين أن يكون جمع ثمرة على ثمر كما قالوا: خشبة وخشب . قال تعالى: { كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ } [ المنافقون: 4 ] وكذلك أكمة وأكم . ثم يخففون فيقولون أكم . قال الشاعر:

ترى الأكم فيها سجدًا للحوافر ... والوجه الثاني: أن يكون جمع ثمرة على ثمار . ثم جمع ثمارًا على ثمر فيكون ثمر جمع الجمع ، وأما قراءة أبي عمرو فوجهها أن تخفيف ثمر ثمر كقولهم: رسل ورسل . وأما قراءة الباقين فوجهها: أن الثمر جمع ثمرة ، مثل بقرة وبقر ، وشجرة وشجر ، وخرزة وخرز .

والبحث الثاني: قال الواحدي: الينع النضج . قال أبو عبيدة: يقال ينع يينع ، بالفتح في الماضي والكسر في المستقبل . وقال الليث: ينعت الثمرة بالكسر ، وأينعت فهي تينع وتونع إيناعًا وينعًا بفتح الياء ، وينعًا بضم الياء ، والنعت يانع ومونع . قال صاحب «الكشاف» : وقرىء { وَيَنْعِهِ } بضم الياء ، وقرأ ابن محيصن { ويانعه } .

والبحث الثالث: قوله: { متشابه انظروا إلى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ } أمر بالنظر في حال الثمر في أول حدوثها . وقوله: { وَيَنْعِهِ } أمر بالنظر في حالها عند تمامها وكمالها ، وهذا هو موضع الاستدلال والحجة التي هي تمام المقصود من هذه الآية . ذلك لأن هذه الثمار والأزهار تتولد في أول حدوثها على صفات مخصوصة ، وعند تمامها وكمالها لا تبقى على حالاتها الأولى ، بل تنتقل إلى أحوال مضادة للأحوال السابقة ، مثل أنها كانت موصوفة بلون الخضرة فتصير ملونة بلون السواد أو بلون الحمرة ، وكانت موصوفة بالحموضة فتصير موصوفة بالحلاوة ، وربما كانت في أول الأمر باردة بحسب الطبيعة ، فتصير في آخر الأمر حارة بحسب الطبيعة ، فحصول هذه التبدلات والتغيرات لا بد له من سبب ، وذلك السبب ليس هو تأثير الطبائع والفصول والأنجم والأفلاك ، لأن نسبة هذه الأحوال بأسرها إلى جميع هذه الأجسام المتباينة متساوية متشابهة ، والنسب المتشابهة لا يمكن أن تكون أسبابًا لحدوث الحوادث المختلفة ، ولما بطل إسناد حدوث هذه الحوادث إلى الطبائع والأنجم والأفلاك وجب إسنادها إلى القادر المختار الحكيم الرحيم المدبر لهذا العالم على وفق الرحمة والمصلحة والحكمة . ولما نبه الله سبحانه على ما في هذا الوجه اللطيف من الدلالة قال: { إِنَّ فِى ذلكم لأيات لّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } قال القاضي: المراد لمن يطلب الإيمان بالله تعالى ، لأنه آية لمن آمن ولمن لم يؤمن ، ويحتمل أن يكون وجه تخصيص المؤمنين بالذكر أنهم الذين انتفعوا به دون غيرهم كما تقدم تقريره في قوله { هُدًى لّلْمُتَّقِينَ } .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت