{ قَدْ جَاءكُم بَصَائِرُ مِن رَّبّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِىَ فَعَلَيْهَا } [ الأنعام: 104 ] ، وهذا تصريح بكون العبد مستقلًا بالفعل والترك ، وأنه لا مانع له ألبتة من الفعل والترك ، وذلك يدل على أن فعل العبد غير مخلوق لله تعالى إذ لو كان مخلوقًا لله تعالى لما كان العبد مستقلًا به ، لأنه إذا أوجده الله تعالى امتنع منه الدفع ، وإذا لم يوجده الله تعالى امتنع منه التحصيل . فلما دلت هذه الآية على كون العبد مستقلًا بالفعل والترك وثبت أن كونه كذلك يمنع أن يقال فعل العبد مخلوق لله تعالى ، ثبت أن ذكر قوله: { فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِىَ فَعَلَيْهَا } يوجب تخصيص ذلك العموم . ورابعها: أن هذه الآية مذكورة عقيب قوله: { وَجَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَاء الجن } وقد بينا أن المراد منه رواية مذهب المجوس في إثبات إلهين للعالم . أحدهما يفعل اللذات والخيرات ، والآخر يفعل الآلام والآفات فقوله بعد ذلك: { لا إله إِلاَّ هُوَ خالق كُلّ شَىْء } يجب أن يكون محمولًا على إبطال ذلك المذهب ، وذلك إنما يكون إذا قلنا إنه تعالى هو الخالق لكل ما في هذا العالم من السباع والحشرات والأمراض والآلام ، فإذا حملنا قوله: { خالق كُلّ شَىْء } على هذا الوجه لم يدخل تحت أعمال العباد . قالوا: فثبت أن هذه الدلائل الأربعة توجب خروج أعمال العباد عن عموم قوله تعالى: { خالق كُلّ شَىْء } .
والجواب: أنا نقول الدليل العقلي القاطع قد ساعد على صحة ظاهر هذه الآية . وتقريره أن الفعل موقوف على الداعي وخالق الداعي هو الله تعالى ، ومجموع القدرة مع الداعي يوجب الفعل وذلك يقتضي كونه تعالى خالقًا لأفعال العباد ، وإذا تأكد هذا الظاهر بهذا البرهان العقلي القاطع زالت الشكوك والشبهات .
المسألة الرابعة: قوله تعالى: { خالق كُلّ شَىْء فاعبدوه } يدل على ترتيب الأمر بالعبادة على كونه تعالى خالقًا لكل الأشياء بفاء التعقيب وترتيب الحكم على الوصف بحرف الفاء مشعر بالسببية ، فهذا يقتضي أن يكون كونه تعالى خالقًا للأشياء هو الموجب لكونه معبودًا على الإطلاق ، والإله هو المستحق للمعبودية ، فهذا يشعر بصحة ما يذكره بعض أصحابنا من أن الإله عبارة عن القادر على الخلق والإبداع والإيجاد والاختراع .
المسألة الخامسة: احتج كثير من المعتزلة بقوله: { خالق كُلّ شَىْء } على نفي الصفات ، وعلى كون القرآن مخلوقًا . أما نفي الصفات فلأنهم قالوا: لو كان تعالى عالمًا بالعلم قادرًا بالقدرة ، لكان ذلك العلم والقدرة إما أن يقال: إنهما قديمان . أو محدثان ، والأول باطل . لأن عموم قوله: { خالق كُلّ شَىْء } يقتضي كونه خالقًا لكل الأشياء أدخلنا التخصيص في هذا العموم بحسب ذاته تعالى ضرورة أنه يمتنع أن يكون خالقًا لنفسه ، فوجب أن يبقى على عمومه فيما سواه ، والقول بإثبات الصفات القديمة يقتضي مزيد التخصيص في هذا العموم ، وأنه لا يجوز . والثاني: وهو القول بحدوث علم الله وقدرته . فهو باطل بالإجماع ، ولأنه يلزم افتقار إيجاد ذلك العلم والقدرة إلى سبق علم آخر وقدرة أخرى ، وأن ذلك محال . وأما تمسكهم بهذه الآية على كون القرآن مخلوقًا . فقالوا: القرآن شيء وكل شيء فهو مخلوق لله تعالى بحكم هذا العموم . فلزم كون القرآن مخلوقًا لله تعالى أقصى ما في هذا الباب أن هذا العموم دخله التخصيص في ذات الله تعالى ، إلا أن العام المخصوص حجة في غير محل التخصيص ، ولذلك فإن دخول هذا التخصيص في هذا العموم لم يمنع أهل السنة من التمسك به في إثبات أن أفعال العباد مخلوقة لله تعالى .