فهرس الكتاب

الصفحة 2918 من 8321

الوجه الثالث: في الاستدلال بالآية أن لفظ { الأبصار } صيغة جمع دخل عليها الألف واللام فهي تفيد الاستغراق فقوله: { لاَّ تُدْرِكُهُ الأبصار } يفيد أنه لا يراه جميع الأبصار ، فهذا يفيد سلب العموم ولا يفيد عموم السلب .

إذا عرفت هذا فنقول: تخصيص هذا السلب بالمجموع يدل على ثبوت الحكم في بعض أفراد المجموع ، ألا ترى أن الرجل إذا قال إن زيدًا ما ضربه كل الناس فإنه يفيد أنه ضربه بعضهم .

فإذا قيل: إن محمدًا A ما آمن به كل الناس أفاد أنه آمن به بعض الناس ، وكذا قوله: { لاَّ تُدْرِكُهُ الأبصار } معناه: أنه لا تدركه جميع الأبصار ، فوجب أن يفيد أنه تدركه بعض الأبصار . أقصى ما في الباب أن يقال: هذا تمسك بدليل الخطاب . فنقول: هب أنه كذلك إلا أنه دليل صحيح لأن بتقدير أن لا يحصل الإدراك لأحد ألبتة كان تخصيص هذا السلب بالمجموع من حيث هو مجموع عبثًا ، وصون كلام الله تعالى عن العبث واجب .

الوجه الرابع: في التمسك بهذه الآية ما نقل أن ضرار بن عمرو الكوفي كان يقول: إن الله تعالى لا يرى بالعين ، وإنما يرى بحاسة سادسة يخلقها الله تعالى يوم القيامة ، واحتج عليه بهذه الآية فقال: دلت هذه الآية على تخصيص نفي إدراك الله تعالى بالبصر ، وتخصيص الحكم بالشيء يدل على أن الحال في غيره بخلافه ، فوجب أن يكون إدراك الله بغير البصر جائزًا في الجملة ، ولما ثبت أن سائر الحواس الموجودة الآن لا تصلح لذلك ثبت أن يقال: إنه تعالى يخلق يوم القيامة حاسة سادسة بها تحصل رؤية الله تعالى وإدراكه ، فهذه وجوه أربعة مستنبطة من هذه الآية يمكن العويل عليها في إثبات أن المؤمنين يرون الله في القيامة .

المسألة الثانية: في حكاية استدلال المعتزلة بهذه الآية في نفي الرؤية .

اعلم أنهم يحتجون بهذه الآية من وجهين: الأول: أنهم قالوا: الإدراك بالبصر عبارة عن الرؤية ، بدليل أن قائلًا لو قال أدركته ببصري وما رأيته ، أو قال رأيته وما أدركته ببصري فإنه يكون كلامه متناقضًا ، فثبت أن الإدراك بالبصر عبارة عن الرؤية .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت