فهرس الكتاب

الصفحة 2919 من 8321

إذا ثبت هذا فنقول: قوله تعالى: { لاَّ تُدْرِكُهُ الأبصار } يقتضي أنه لا يراه شيء من الأبصار في شيء من الأحوال ، والدليل على صحة هذا العموم وجهان: الأول: يصح استثناء جميع الأشخاص وجميع الأحوال عنه فيقال: لا تدركه الأبصار إلا بصر فلان ، وإلا في الحالة الفلانية والاستثناء يخرج من الكلام ما لولاه لوجب دخوله . فثبت أن عموم هذه الآية يفيد عموم النفي عن كل الأشخاص في جميع الأحوال . وذلك يدل على أن أحدًا لا يرى الله تعالى في شيء من الأحوال .

الوجه الثاني: في بيان أن هذه الآية تفيد العموم أن عائشة Bها لما أنكرت قول ابن عباس في أن محمدًا A رأى ربه ليلة المعراج تمسكت في نصرة مذهب نفسها بهذه الآية ، ولو لم تكن هذه الآية مفيدة للعموم بالنسبة إلى كل الأشخاص وكل الأحوال لما تم ذلك الاستدلال ، ولا شك أنها كانت من أشد الناس علمًا بلغة العرب . فثبت أن هذه الآية دالة على النفي بالنسبة إلى كل الأشخاص وذلك يفيد المطلوب .

الوجه الثاني: في تقرير استدلال المعتزلة بهذه الآية أنهم قالوا: إن ما قبل هذه الآية إلى هذا الموضع مشتمل على المدح والثناء ، وقوله بعد ذلك: { وَهُوَ يُدْرِكُ الأبصار } أيضًا مدح وثناء فوجب أن يكون قوله: { لاَّ تُدْرِكُهُ الأبصار } مدحًا وثناء ، وإلا لزم أن يقال: إن ما ليس بمدح وثناء وقع في خلال ما هو مدح وثناء ، وذلك يوجب الركاكة وهي غير لائقة بكلام الله .

إذا ثبت هذا فنقول: كل ما كان عدمه مدحًا ولم يكن ذلك من باب الفعل كان ثبوته نقصًا في حق الله تعالى ، والنقص على الله تعالى محال ، لقوله: { لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ } [ البقرة: 255 ] وقوله: { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْء } [ الشورى: 11 ] وقوله: { لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ } [ الإخلاص: 3 ] إلى غير ذلك . فوجب أن يقال كونه تعالى مرئيًا محال .

واعلم أن القوم إنما قيدوا ذلك بما لا يكون من باب الفعل لأنه تعالى تمدح بنفي الظلم عن نفسه في قوله: { وَمَا الله يُرِيدُ ظُلْمًا للعالمين } [ آل عمران: 108 ] وقوله: { وَمَا رَبُّكَ بظلام لّلْعَبِيدِ } [ فصلت: 46 ] مع أنه تعالى قادر على الظلم عندهم ، فذكروا هذا القيد دفعًا لهذا النقض عن كلامهم . فهذا غاية تقرير كلامهم في هذا الباب .

والجواب عن الوجه الأول من وجوه: الأول: لا نسلم أن إدراك البصر عبارة عن الرؤية والدليل عليه: أن لفظ الإدراك في أصل اللغة عبارة عن اللحوق والوصول قال تعالى: { قَالَ أصحاب موسى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ } [ الشعراء: 61 ] أي لملحقون وقال: { حتى إِذَا أَدْرَكَهُ الغرق } [ يونس: 90 ] أي لحقه ، ويقال: أدرك فلان فلانًا ، وأدرك الغلام أي بلغ الحلم ، وأدركت الثمرة أي نضجت . فثبت أن الإدراك هو الوصول إلى الشيء .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت