القيد الأول: أن الإيمان عبارة عن التصديق ويدل عليه وجوه: الأول: أنه كان في أصل اللغة للتصديق ، فلو صار في عرف الشرع لغير التصديق لزم أن يكون المتكلم به متكلمًا بغير كلام العرب ، وذلك ينافي وصف القرآن بكونه عربيًا . الثاني: أن الإيمان أكثر الألفاظ دورانًا على ألسنة المسلمين فلو صار منقولًا إلى غير مسماه الأصلي لتوفرت الدواعي على معرفة ذلك المسمى ، ولاشتهر وبلغ إلى حد التواتر ، فلما لم يكن كذلك علمنا أنه بقي على أصل الوضع . الثالث: أجمعنا على أن الإيمان المعدى بحرف الباء مبقي على أصل اللغة فوجب أن يكون غير المعدى كذلك . الرابع: أن الله تعالى كلما ذكر الإيمان في القرآن أضافه إلى القلب قال: { مِنَ الذين قَالُواْ ءامَنَّا بأفواههم وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ } [ البقرة: 41 ] وقوله: { وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بالإيمان } [ النحل: 106 ] { كَتَبَ فِى قُلُوبِهِمُ الإيمان } [ المجادلة: 22 ] { ولكن قُولُواْ أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإيمان فِى قُلُوبِكُمْ } [ الحجرات: 14 ] الخامس: أن الله تعالى أينما ذكر الإيمان قرن العمل الصالح به ولو كان العمل الصالح داخلًا في الإيمان لكان ذلك تكرارًا . السادس: أنه تعالى كثيرًا ذكر الإيمان وقرنه وبالمعاصي ، قال: { الذين ءامَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إيمانهم بِظُلْمٍ } [ الأنعام: 82 ] { وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ المؤمنين اقتتلوا فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا على الأخرى فقاتلوا التى تَبْغِى حتى تَفِىء إلى أَمْر الله } [ الحجرات: 9 ] واحتج ابن عباس على هذا بقوله تعالى: { ياأيها الذين ءامَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ القصاص فِي القتلى } [ البقرة: 178 ] من ثلاثة أوجه: أحدهما: أن القصاص إنما يجب على القاتل المتعمد ثم أنه خاطبه بقوله: { يا أيها الذين آمنوا } فدل على أنه مؤمن . وثانيها: قوله: { فَمَنْ عُفِىَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَىْء } [ البقرة: 178 ] وهذه الأخوة ليست إلا إخوة الإيمان ، لقوله تعالى: { إِنَّمَا المؤمنون إِخْوَةٌ } [ الحجرات: 10 ] وثالثها: قوله: { ذلك تَخْفِيفٌ مّن رَّبّكُمْ وَرَحْمَةٌ } [ البقرة: 178 ] وهذا لا يليق إلا بالمؤمن ، ومما يدل على المطلوب قوله تعالى: { والذين آمنوا ولم يهاجروا } [ الأنفال: 72 ] هذا أبقى اسم الإيمان لمن لم يهاجر مع عظم الوعيد في ترك الهجرة في قوله تعالى: { الذين تتوفاهم الملائكة ظَالِمِى أَنفُسِهِمْ } [ النحل: 28 ] وقوله: { مَالَكُمْ مّن ولايتهم مّن شَىْء حتى يُهَاجِرُواْ } [ الأنفال: 72 ] ومع هذا جعلهم مؤمنين ويدل أيضًا عليه قوله تعالى: { ياأيها الذين ءامَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ عَدُوّى وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء } [ الممتحنة: 1 ] وقال: { يأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ لاَ تَخُونُواْ الله والرسول وَتَخُونُواْ أماناتكم } [ الأنفال: 27 ] وقوله تعالى: { ياأيها الذين ءامَنُواْ تُوبُواْ إِلَى الله تَوْبَةً نَّصُوحًا } [ التحريم: 8 ] والأمر بالتوبة لمن لا ذنب له محال وقوله: