فهرس الكتاب

الصفحة 294 من 8321

{ وَتُوبُواْ إِلَى الله جَمِيعًا أَيُّهَ المؤمنون } [ النور: 31 ] لا يقال فهذا يقتضي أن يكون كل مؤمن مذنبًا وليس كذلك قولنا: هب أنه خص فيما عدا المذنب فبقي فيهم حجة .

القيد الثاني: أن الإيمان ليس عبارة عن التصديق اللساني ، والدليل عليه قوله تعالى: { وَمِنَ الناس مَن يَقُولُ ءامَنَّا بالله وباليوم الأخر وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ } [ البقرة: 8 ] نفي كونهم مؤمنين ، ولو كان الإيمان بالله عبارة عن التصديق اللساني لما صح هذا النفي .

القيد الثالث: أن الإيمان ليس عبارة عن مطلق التصديق لأن من صدق بالجبت والطاغوت لا يسمى مؤمنًا .

القيد الرابع: ليس من شرط الإيمان التصديق بجميع صفات الله عزّ وجلّ؛ لأن الرسول عليه السلام كان يحكم بإيمان من لم يخطر بباله كونه تعالى عالمًا لذاته أو بالعلم ، ولو كان هذا القيد وأمثاله شرطًا معتبرًا في تحقيق الإيمان لما جاز أن يحكم الرسول بإيمانه قبل أن يجربه في أنه هل يعرف ذلك أم لا . فهذا هو بيان القول في تحقيق الإيمان ، فإن قال قائل: ها هنا صورتان: الصورة الأولى: من عرف الله تعالى بالدليل والبرهان ولما تم العرفان مات ولم يجد من الزمان والوقت ما يتلفظ فيه بكلمة الشهادة . فههنا إن حكمتم أنه مؤمن فقد حكمتم بأن الإقرار اللساني غير معتبر في تحقيق الإيمان ، وهو خرق للإجماع ، وإن حكمتم بأنه غير مؤمن فهو باطل؛ لقوله عليه السلام: « يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان » وهذا قلب طافح بالإيمان ، فكيف لا يكون مؤمنًا؟ الصورة الثانية: من عرف الله تعالى بالدليل ووجد من الوقت ما أمكنه أن يتلفظ بكلمة الشهادة ولكنه لم يتلفظ بها فإن قلتم إنه مؤمن فهو خرق للإجماع ، وإن قلتم ليس بمؤمن فهو باطل؛ لقوله عليه السلام: « يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من الإيمان » ولا ينتقي الإيمان من القلب بالسكوت عن النطق .

والجواب: أن الغزالي منع من هذا الإجماع في الصورتين ، وحكم بكونهما مؤمنين ، وأن الامتناع عن النطق يجري مجرى المعاصي التي يؤتى بها مع الإيمان .

المسألة الرابعة: قيل: { الغيب } مصدر أقيم مقام اسم الفاعل ، كالصوم بمعنى الصائم ، والزور بمعنى الزائر ، ثم في قوله تعالى: { يُؤْمِنُونَ بالغيب } قولان: الأول: وهو اختيار أبي مسلم الأصفهاني أن قوله: { بالغيب } صفة المؤمنين معناه أنهم يؤمنون بالله حال الغيب كما يؤمنون به حال الحضور ، لا كالمنافقين الذين إذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا: إنا معكم إنما نحن مستهزءون . ونظيره قوله تعالى: { ذلك لِيَعْلَمَ أَنّى لَمْ أَخُنْهُ بالغيب } [ يوسف: 52 ] ويقول الرجل لغيره: نعم الصديق لك فلان بظهر الغيب ، وكل ذلك مدح للمؤمنين بكون ظاهرهم موافقًا لباطنهم ومباينتهم لحال المنافقين الذين يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم والثاني: وهو قول جمهور المفسرين أن الغيب هو الذي يكون غائبًا عن الحاسة ثم هذا الغيب ينقسم إلى ما عليه دليل ، وإلى ما ليس عليه دليل .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت