فالمراد من هذه الآية مدح المتقين بأنهم يؤمنون بالغيب الذي دل عليه دليل بأن يتفكروا ويستدلوا فيؤمنوا به ، وعلى هذا يدخل فيه العلم بالله تعالى وبصفاته والعلم بالآخرة والعلم بالنبوة والعلم بالأحكام وبالشرائع فإن في تحصيل هذه العلوم بالاستدلال مشقة فيصلح أن يكون سببًا لاستحقاق الثناء العظيم . واحتج أبو مسلم على قوله بأمور: الأول: أن قوله: { والذين يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وبالآخرة هُمْ يُوقِنُونَ } [ البقرة: 4 ] إيمان بالأشياء الغائبة فلو كان المراد من قوله: { الذين يُؤْمِنُونَ بالغيب } هو الإيمان بالأشياء الغائبة لكان المعطوف نفس المعطوف عليه ، وأنه غير جائز: الثاني: لو حملناه على الإيمان بالغيب يلزم إطلاق القول بأن الإنسان يعلم الغيب ، وهو خلاف قوله تعالى: { وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الغيب لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ } [ الأنعام: 59 ] أما لو فسرنا الآية بما قلنا لا يلزم هذا المحذور الثالث: لفظ الغيب إنما يجوز إطلاقه على من يجوز عليه الحضور ، فعلى هذا لا يجوز إطلاق لفظ الغيب على ذات الله تعالى وصفاته ، فقوله: { الذين يُؤْمِنُونَ بالغيب } لو كان المراد منه الإيمان بالغيب لما دخل فيه الإيمان بذات الله تعالى وصفاته ، ولا يبقى فيه إلا الإيمان بالآخرة ، وذلك غير جائز لأن الركن العظيم في الإيمان هو الإيمان بذات الله وصفاته ، فكيف يجوز حمل اللفظ على معنى يقتضي خروج الأصل أما لو حملناه على التفسير الذي اخترناه لم يلزمنا هذا المحذور .
والجواب عن الأول: أن قوله: { يُؤْمِنُونَ بالغيب } يتناول الإيمان بالغائبات على الإجمال ثم بعد ذلك قوله: { والذين يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ } يتناول الإيمان ببعض الغائبات فكان هذا من باب عطف التفصيل على الجملة ، وهو جائز كما في قوله: { وملائكته وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلُ وميكال } [ البقرة: 98 ] وعن الثاني: أنه لا نزاع في أنا نؤمن بالأشياء الغائبة عنا ، فكان ذلك التخصيص لازمًا على الوجهين جميعًا . فإن قيل أفتقولون: العبد يعلم الغيب أم لا؟ قلنا قد بينا أن الغيب ينقسم إلى ما عليه دليل وإلى ما لا دليل عليه أما الذي لا دليل عليه فهو سبحانه وتعالى العالم به لا غيره ، وأما الذي عليه دليل فلا يمتنع أن تقول: نعلم من الغيب ما لنا عليه دليل ، ويفيد الكلام فلا يلتبس ، وعلى هذا الوجه قال العلماء: الاستدلال بالشاهد على الغائب أحد أقسام الأدلة . وعن الثالث: لا نسلم أن لفظ الغيبة لا يستعمل إلا فيما يجوز عليه الحضور ، والدليل على ذلك أن المتكلمين يقولون هذا من باب إلحاق الغائب بالشاهد . ويريدون بالغائب ذات الله تعالى وصفاته والله أعلم .