{ إِنَّ الذين يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ الله } [ الفتح: 10 ] وكقوله: { إِنَّ الذين يُؤْذُونَ الله } [ الأحزاب: 57 ] وثالثها: أنه ربما كان في جهالهم من كان يعتقد أن شيطانًا يحمله على ادعاء النبوة والرسالة ، ثم إنه لجهله كان يسمي ذلك الشيطان بأنه إله محمد E فكان يشتم إله محمد بناء على هذا التأويل .
المسألة الثانية: لقائل أن يقول: إن شتم الأصنام من أصول الطاعات ، فكيف يحسن من الله تعالى أن ينهى عنها .
والجواب: أن هذا الشتم ، وإن كان طاعة . إلا أنه إذا وقع على وجه يستلزم وجود منكر عظيم ، وجب الاحتراز منه ، والأمر ههنا كذلك ، لأن هذا الشتم كان يستلزم إقدامهم على شتم الله وشتم رسوله ، وعلى فتح باب السفاهة ، وعلى تنفيرهم عن قبول الدين ، وإدخال الغيظ والغضب في قلوبهم ، فلكونه مستلزمًا لهذه المنكرات ، وقع النهي عنه .
المسألة الثالثة: قرأ الحسن: { فَيَسُبُّواْ الله عَدْوًا } بضم العين وتشديد الواو ، ويقال: عدا فلان عدوًا وعدوًا وعدوانًا وعدًا . أي ظلم ظلمًا جاوز القدر . قال الزجاج: وعدوًا منصوب على المصدر ، لأن المعنى فيعدوا عدوًا . قال: ويجوز أن يكون بإرادة اللام ، والمعنى: فينسبوا الله للظلم .
المسألة الرابعة: قال الجبائي: دلت هذه الآية على أنه لا يجوز أن يفعل بالكفار ما يزدادون به بعدًا عن الحق ونفورًا . إذ لو جاز أن يفعله لجاز أن يأمر به ، وكان لا ينهى عما ذكرنا ، وكان لا يأمر بالرفق بهم عند الدعاء . كقوله لموسى وهرون: { فَقُولاَ لَهُ قَوْلًا لَّيّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يخشى } [ طه: 44 ] وذلك يبين بطلان مذهب المجبرة .
المسألة الخامسة: قالوا هذه الآية تدل على أن الأمر بالمعروف قد يقبح إذا أدى إلى ارتكاب منكر ، والنهي عن المنكر يقبح إذا أدى إلى زيادة منكر ، وغلبة الظن قائمة مقام العلم في هذا الباب وفيه تأديب لمن يدعو إلى الدين ، لئلا يتشاغل بما لا فائدة له في المطلوب ، لأن وصف الأوثان بأنها جمادات لا تنفع ولا تضر يكفي في القدح في إلهيتها ، فلا حاجة مع ذلك إلى شتمها .
وأما قوله تعالى: { كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ } فاحتج أصحابنا بهذا على أنه تعالى هو الذي زين للكافر الكفر ، وللمؤمن الإيمان ، وللعاصي المعصية ، وللمطيع الطاعة . ق الكعبي: حمل الآية على هذا المعنى محال ، لأنه تعالى هو الذي يقول: { الشيطان سَوَّلَ لَهُمْ } [ محمد: 25 ] ويقول: { والذين كَفَرُواْ أَوْلِيَاؤُهُمُ الطاغوت يُخْرِجُونَهُم مّنَ النور إِلَى الظلمات } [ البقرة: 257 ] ثم إن القوم ذكروا في الجواب وجوهًا: الأول: قال الجبائي: المراد زينا لكل أمة تقدمت ما أمرناهم به من قبول الحق والكعبي أيضًا ذكر عين هذا الجواب فقال: المراد أنه تعالى زين لهم ما ينبغي أن يعملوا وهم لا ينتهون . الثاني: قال آخرون: المراد زينا لكل أمة من أمم الكفار سوء عملهم ، أي خليناهم وشأنهم وأمهلناهم حتى حسن عندهم سوء عملهم . والثالث: أمهلنا الشيطان حتى زين لهم ، والرابع: زيناه في زعمهم وقولهم: إن الله أمرنا بهذا وزينه لنا . هذا مجموع التأويلات المذكورة في هذه الآية والكل ضعيف وذلك لأن الدليل العقلي القاطع دل على صحة ما أشعر به ظاهر هذا النص ، وذلك لأنا بينا غير مرة أن صدور الفعل عن العبد يتوقف على حصول الداعي . وبينا أن تلك الداعية لا بد وأن تكون بخلق الله تعالى ، ولا معنى لتلك الداعية إلا علمه واعتقاده أو ظنه باشتمال ذلك الفعل على نفع زائد ، ومصلحة راجحة ، وإذا كانت تلك الداعية حصلت بفعل الله تعالى ، وتلك الداعية لا معنى لها إلا كونه معتقدًا لاشتمال ذلك الفعل على النفع الزائد ، والمصلحة الراجحة .