فهرس الكتاب

الصفحة 2933 من 8321

ثبت أنه يمتنع أن يصدر عن العبد فعل ، ولا قول ولا حركة ولا سكون ، إلا إذا زين الله تعالى ذلك الفعل في قلبه وضميره واعتقاده ، وأيضا الإنسان لا يختار الكفر والجهل ابتداء مع العلم بكونه كفرًا وجهلًا ، والعلم بذلك ضروري بل إنما يختاره لاعتقاده كونه إيمانًا وعلمًا وصدقًا وحقًا فلولا سابقة الجهل الأول لما اختار هذا الجهل . الثاني: ثم إنا ننقل الكلام إلى أنه لم اختار ذلك الجهل السابق ، فإن كان ذلك لسابقة جهل آخر فقد لزم أن يستمر ذلك إلى ما لا نهاية له من الجهالات وذلك محال ، ولما كان ذلك باطلًا وجب انتهاء تلك الجهالات إلى جهل أول يخلقه الله تعالى فيه ابتداء ، وهو بسبب ذلك الجهل ظن في الكفر كونه إيمانًا وحقًا وعلمًا وصدقًا ، فثبت أنه يستحيل من الكافر اختيار الجهل والكفر إلا إذا زين الله تعالى ذلك الجهل في قلبه ، فثبت بهذين البرهانين القاطعين القطعيين أن الذي يدل عليه ظاهر هذه الآية هو الحق الذي لا محيد عنه ، وإذا كان الأمر كذلك ، فقد بطلت التأويلات المذكورة بأسرها ، لأن المصير إلى التأويل إنما يكون عند تعذر حمل الكلام على ظاهره . أما لما قام الدليل على أنه لا يمكن العدول عن الظاهر ، فقد سقطت هذه التكليفات بأسرها والله أعلم . وأيضًا فقوله تعالى: { كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ } بعد قوله: { فَيَسُبُّواْ الله عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ } مشعر بأن إقدامهم على ذلك المنكر إنما كان بتزيين الله تعالى . فأما أن يحمل ذلك على أنه تعالى زين الأعمال الصالحة في قلوب الأمم ، فهذا كلام منقطع عما قبله ، وأيضًا فقوله: { كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ } يتناول الأمم الكافرة والمؤمنة ، فتخصيص هذا الكلام بالأمة المؤمنة ترك لظاهر العموم ، وأما سائر التأويلات ، فقد ذكرها صاحب «الكشاف» : وسقوطها لا يخفى ، والله أعلم .

أما قوله تعالى: { ثُمَّ إلى رَبّهِمْ مَّرْجِعُهُمْ فَيُنَبّئُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } فالمقصود منه أن أمرهم مفوض إلى الله تعالى ، وإن الله تعالى عالم بأحوالهم . مطلع على ضمائرهم . ورجوعهم يوم القيامة إلى الله فيجازي كل أحد بمقتضى عمله إن خيرًا فخير ، وإن شرًا فشر .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت