فهرس الكتاب

الصفحة 2945 من 8321

المسألة الرابعة: اختلفوا في معنى شياطين الإنس والجن على قولين: الأول: أن المعنى مردة الإنس والجن ، والشيطان؛ كل عات متمرد من الإنس والجن ، وهذا قول ابن عباس في رواية عطاء ومجاهد والحسن وقتادة وهؤلاء قالوا: إن من الجن شياطين ، ومن الإنس شياطين ، وإن الشيطان من الجن إذا أعياه المؤمن ذهب إلى متمرد من الإنس ، وهو شيطان الإنس فأغراه بالمؤمن ليفتنه ، والدليل عليه ما روي عن النبي A أنه قال لأبي ذر: « هل تعوذت بالله من شر شياطين الجن والإنس؟ » قال قلت: وهل للإنس من شياطين؟ قال: « نعم هم شر من شياطين الجن »

والقول الثاني: أن الجميع من ولد إبليس إلا أنه جعل ولده قسمين ، فأرسل أحد القسمين إلى وسوسة الإنس . والقسم الثاني إلى وسوسة الجن ، فالفريقان شياطين الإنس والجن ، ومن الناس من قال: القول الأول أولى لأن المقصود من الآية الشكاية من سفاهة الكفار الذين هم الأعداء وهم الشياطين ، ومنهم من يقول: القول الثاني أولى ، لأن لفظ الآية يقتضي إضافة الشياطين إلى الإنس والجن . والإضافة تقتضي المغايرة ، وعلى هذا التقدير: فالشياطين نوع مغاير للجن وهم أولاد إبليس .

المسألة الخامسة: قال الزجاج وابن الأنباري: قوله: { عَدُوًّا } بمعنى أعداء وأنشد ابن الأنباري:

إذا أنا لم أنفع صديقي بوده ... فإن عدوي لن يضرهمو بغضي

أراد أعدائي ، فأدى الواحد عن الجمع ، وله نظائر في القرآن . ومنها قوله: { ضَيْفِ إبراهيم المكرمين } [ الذاريات: 24 ] جعل المكرمين وهو جمع نعتًا للضيف وهو واحد ، وثانيها: قوله: { والنخل باسقات لَّهَا طَلْعٌ } [ ق: 10 ] وثالثها: قوله: { أَوِ الطفل الذين لَمْ يَظْهَرُواْ على عورات النساء } [ النور: 31 ] ورابعها: قوله: { إِنَّ الإنسان لَفِى خُسْرٍ إِلاَّ الذين ءَامَنُواْ } [ العصر: 2 ] وخامسها: قوله: { كُلُّ الطعام كَانَ حِلاًّ لّبَنِى إسراءيل } [ آل عمران: 93 ] أكد المفرد بما يؤكد الجمع به ، ولقائل أن يقول لا حاجة إلى هذا التكلف ، فإن التقدير: وكذلك جعلنا لكل واحد من الأنبياء عدوًا واحدًا ، إذ لا يجب لكل واحد من الأنبياء أكثر من عدو واحد .

أما قوله تعالى: { يُوحِى بَعْضُهُمْ إلى بَعْضٍ زُخْرُفَ القول غُرُورًا } فالمراد أن أولئك الشياطين يوسوس بعضهم بعضًا .

واعلم أنه لا يجب أن تكون كل معصية تصدر عن إنسان فإنها تكون بسبب وسوسة شيطان ، وإلا لزم دخول التسلسل أو الدور في هؤلاء الشياطين ، فوجب الاعتراف بانتهاء هذه القبائح والمعاصي إلى قبيح أول ، ومعصية سابقة حصلت لا بوسوسة شيطان آخر .

إذا ثبت هذا الأصل فنقول: إن أولئك الشياطين كما أنهم يلقون الوساوس إلى الإنس والجن فقد يوسوس بعضهم بعضًا . وللناس فيه مذاهب . منهم من قال الأرواح إما فلكية وإما أرضية ، والأرواح الأرضية منها طيبة طاهرة خيرة آمرة بالطاعة والأفعال الحسنة ، وهم الملائكة الأرضية . ومنها خبيثة قذرة شريرة ، آمرة بالقبائح والمعاصي ، وهم الشياطين . ثم إن تلك الأرواح الطيبة كما أنها تأمر الناس بالطاعات والخيرات ، فكذلك قد يأمر بعضهم بعضًا بالطاعات . والأرواح الخبيثة كما أنها تأمر الناس بالقبائح والمنكرات ، فكذلك قد يأمر بعضهم بعضًا بتلك القبائح والزيادة فيها . وما لم يحصل نوع من أنواع المناسبة بين النفوس البشرية ، وبين تلك الأرواح لم يحصل ذلك الانضمام ، فالنفوس البشرية ، إذا كانت طاهرة نقية عن الصفات الذميمة كانت من جنس الأرواح الطاهرة فتنضم إليها ، وإذا كانت خبيثة موصوفة بالصفات الذميمة كانت من جنس الأرواح الخبيثة فتنضم إليها . ثم إن صفات الطهارة كثيرة . وصفات الخبث والنقصان كثيرة ، وبحسب كل نوع منها طوائف من البشر وطوائف من الأرواح الأرضية بحسب تلك المجانسة والمشابهة والمشاكلة ينضم الجنس إلى جنسه ، فإن كان ذلك في أفعال الخير كان الحامل عليها ملكًا وكان تقوية ذلك الخاطر إلهامًا ، وإن كان في باب الشر كان الحامل عليها شيطانًا ، وكان تقوية ذلك الخاطر وسوسة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت