إذا عرفت هذا الأصل فنقول: إنه تعالى عبر عن هذه الحالة المذكورة بقوله: { يُوحِى بَعْضُهُمْ إلى بَعْضٍ زُخْرُفَ القول غُرُورًا } فيجب علينا تفسير ألفاظ ثلاثة: الأول: الوحي وهو عبارة عن الإيماء والقول السريع . والثاني: الزخرف وهو الذي يكون باطنه باطلًا ، وظاهره مزينًا ظاهرًا ، يقال: فلان يزخرف كلامه إذا زينه بالباطل والكذب ، وكل شيء حسن مموه فهو مزخرف .
واعلم أن تحقيق الكلام فيه أن الإنسان ما لم يعتقد في أمر من الأمور كونه مشتملًا على خير راجح ونفع زائد ، فإنه لا يرغب فيه ، ولذلك سمي الفاعل المختار مختارًا لكونه طالبًا للخير والنفع ، ثم إن كان هذا الاعتقاد مطابقًا للمعتقد ، فهو الحق والصدق والإلهام وإن كان صادرًا من الملك ، وإن لم يكن معتقدًا مطابقًا للمعتقد ، فحينئذ يكون ظاهره مزينًا ، لأنه في اعتقاده سبب للنفع الزائد والصلاح الراجح ، ويكون باطنه فاسدًا باطلًا . لأن هذا الاعتقاد غير مطابق للمعتقد فكان مزخرفًا . فهذا تحقيق هذا الكلام . والثالث: قوله { غُرُورًا } قال الواحدي: { غُرُورًا } منصوب على المصدر ، وهذا المصدر محمول على المعنى . لأن معنى إيحاء الزخرف من القول معنى الغرور ، فكأنه قال يغرون غرورًا ، وتحقيق القول فيه أن المغرور هو الذي يعتقد في الشيء كونه مطابقًا للمنفعة والمصلحة مع أنه في نفسه ليس كذلك ، فالغرور إما أن يكون عبارة عن عين هذا الجهل أو عن حالة متولدة عن هذا الجهل . فظهر بما ذكرنا أن تأثير هذه الأرواح الخبيثة بعضها في بعض لا يمكن أن يعبر عنه بعبارة أكمل ولا أقوى دلالة على تمام المقصود من قوله: { يُوحِى بَعْضُهُمْ إلى بَعْضٍ زُخْرُفَ القول غُرُورًا } .