فهرس الكتاب

الصفحة 2968 من 8321

[ الأنبياء: 17 ] فبين تعالى أنه يفعل اللهو لو أراده ، ولا خلاف أنه تعالى لا يريد ذلك ولا يفعله .

الوجه الثاني: أنه تعالى لم يقل: ومن يرد أن يضله عن الإسلام ، بل قال: { وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ } فلم قلتم إن المراد ومن يرد أن يضله عن الإيمان .

والوجه الثالث: أنه تعالى بين في آخر الآية أنه إنما يفعل هذا الفعل بهذا الكافر جزاء على كفره ، وأنه ليس ذلك على سبيل الابتداء ، فقال: { كذلك يَجْعَلُ الله الرجس عَلَى الذين لاَ يُؤْمِنُونَ } .

الوجه الرابع: أن قوله: { وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيّقًا حَرَجًا } فهذا يشعر بأن جعل الصدر ضيقًا حرجًا يتقدم حصوله على حصول الضلالة ، وأن لحصول ذلك المتقدم أثرًا في حصول الضلال وذلك باطل بالإجماع . أما عندنا: فلا نقول به . وأما عندكم: فلأن المقتضى لحصول الجهل والضلال هو أن الله تعالى يخلقه فيه لقدرته فثبت بهذه الوجوه الأربعة أن هذه الآية لا تدل على قولكم .

أما المقام الثاني: وهو أن تفسير هذه الآية على وجه يليق بقولنا ، فتقريره من وجوه: الأول: وهو الذي اختاره الجبائي ، ونصره القاضي ، فنقول: تقدير الآية: ومن يرد الله أن يهديه يوم القيامة إلى طريق الجنة ، يشرح صدره للإسلام حتى يثبت عليه ، ولا يزول عنه ، وتفسير هذا الشرح هو أنه تعالى يفعل به ألطافًا تدعوه إلى البقاء على الإيمان والثبات عليه ، وفي هذا النوع ألطاف لا يمكن فعلها بالمؤمن ، إلا بعد أن يصير مؤمنًا ، وهي بعد أن يصير الرجل مؤمنًا يدعوه إلى البقاء على الإيمان والثبات عليه وإليه الإشارة بقوله تعالى: { وَمَن يُؤْمِن بالله يَهْدِ قَلْبَهُ } [ التغابن: 11 ] وبقوله: { والذين جاهدوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا } [ العنكبوت: 69 ] فإذا آمن عبد وأراد الله ثباته فحينئذ يشرح صدره ، أي يفعل به الألطاف التي تقتضي ثباته على الإيمان ودوامه عليه فأما إذا كفر وعاند ، وأراد الله تعالى أن يضله عن طريق الجنة ، فعند ذلك يلقي في صدره الضيق والحرج . ثم سأل الجبائي نفسه وقال: كيف يصح ذلك ونجد الكفار طيبي النفوس لا غم لهم البتة ولا حزن؟

وأجاب عنه: بأنه تعالى لم يخبر بأنه يفعل بهم ذلك في كل وقت فلا يمتنع كونهم في بعض الأوقات طيبي القلوب . وسأل القاضي نفسه على هذا الجواب سؤالًا آخر فقال: فيجب أن تقطعوا في كل كافر بأنه يجد من نفسه ذلك الضيق والحرج في بعض الأوقات .

وأجاب عنه بأن قال: وكذلك نقول ودفع ذلك لا يمكن خصوصًا عند ورود أدلة الله تعالى وعند ظهور نصرة الله للمؤمنين ، وعند ظهور الذلة والصغار فيهم ، هذا غاية تقرير هذا الجواب .

والوجه الثاني: في التأويل قالوا لم لا يجوز أن يقال: المراد فمن يرد الله أن يهديه إلى الجنة يشرح صدره للإسلام؟ أي يشرح صدره للإسلام في ذلك الوقت الذي يهديه فيه إلى الجنة ، لأنه لما رأى أن بسبب الإيمان وجد هذه الدرجة العالية ، والمرتبة الشريفة يزداد رغبة في الإيمان ، ويحصل في قلبه مزيد انشراح وميل إليه ، ومن يرد أن يضله يوم القيامة عن طريق الجنة ، ففي ذلك الوقت يضيق صدره ، ويحرج صدره بسبب الحزن الشديد الذي ناله عند الحرمان من الجنة والدخول في النار قالوا: فهذا وجه قريب واللفظ محتمل له ، فوجب حمل اللفظ عليه .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت