فهرس الكتاب

الصفحة 2969 من 8321

والوجه الثالث: في التأويل أن يقال: حصل في الكلام تقديم وتأخير ، فيكون المعنى من شرح صدر نفسه بالإيمان فقد أراد الله أن يهديه أي يخصه بالألطاف الداعية إلى الثبات على الإيمان ، أو يهديه بمعنى أنه يهديه إلى طريق الجنة ، ومن جعل صدره ضيقًا حرجًا عن الإيمان ، فقد أراد الله أن يضله عن طريق الجنة ، أو يضله بمعنى أنه يحرمه عن الألطاف الداعية إلى الثبات على الإيمان ، فهذا هو مجموع كلامهم في هذا الباب .

والجواب عما قالوه أولًا: من أن الله تعالى لم يقل في هذه الآية أنه يضله ، بل المذكور فيه أنه لو أراد أن يضله لفعل كذا وكذا .

فنقول: قوله تعالى في آخر الآية: { كذلك يَجْعَلُ الله الرجس عَلَى الذين لاَ يُؤْمِنُونَ } تصريح بأنه يفعل بهم ذلك الإضلال لأن حرف «الكاف» في قوله: { كذلك } يفيد التشبيه ، والتقدير: وكما جعلنا ذلك الضيق والحرج في صدره ، فكذلك نجعل الرجس على قلوب الذين لا يؤمنون .

والجواب عما قالوه ثانيًا وهو قوله: ومن يرد الله أن يضله عن الدين .

فنقول: إن قوله في آخر الآية: { كذلك يَجْعَلُ الله الرجس عَلَى الذين لاَ يُؤْمِنُونَ } تصريح بأن المراد من قوله: { وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ } هو أنه يضله عن الدين .

والجواب عما قالوه ثالثًا: من أن قوله: { كذلك يَجْعَلُ الله الرجس عَلَى الذين لاَ يُؤْمِنُونَ } يدل على أنه تعالى إنما يلقي ذلك الضيق والحرج في صدورهم جزاء على كفرهم .

فنقول: لا نسلم أن المراد ذلك ، بل المراد كذلك يجعل الله الرجس على قلوب الذين قضى عليهم بأنهم لا يؤمنون ، وإذا حملنا هذه الآية على هذا الوجه ، سقط ما ذكروه .

والجواب عما قالوه رابعًا: من أن ظاهر الآية يقتضي أن يكون ضيق الصدر وحرجه شيئًا متقدمًا على الضلال وموجبًا له .

فنقول: الأمر كذلك ، لأنه تعالى إذا خلق في قلبه اعتقادًا بأن الإيمان بمحمد A يوجب الذم في الدنيا والعقوبة في الآخرة ، فهذا الاعتقاد يوجب إعراض النفس ونفور القلب عن قبول ذلك الإيمان ويحصل في ذلك القلب نفرة ونبوة عن قبول ذلك الإيمان وهذه الحالة شبيهة بالضيق الشديد ، لأن الطريق إذا كان ضيقًا لم يقدر الداخل على أن يدخل فيه ، فكذلك القلب إذا حصل فيه هذا الاعتقاد امتنع دخول الإيمان فيه ، فلأجل حصول هذه المشابهة من هذا الوجه ، أطلق لفظ الضيق والحرج عليه ، فقد سقط هذا الكلام .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت