فهرس الكتاب

الصفحة 2971 من 8321

المسألة الثالثة: في تفسير ألفاظ الآية ، أما شرح الصدر ففي تفسيره وجهان:

الوجه الأول: قال الليث: يقال شرح الله صدره فانشرح أي وسع صدره لقبول ذلك الأمر فتوسع . وأقول: إن الليث فسر شرح الصدر بتوسيع الصدر ، ولا شك أنه ليس المراد منه أن يوسع صدره على سبيل الحقيقة ، لأنه لا شبهة أن ذلك محال ، بل لا بد من تفسير توسيع الصدر فنقول: تحقيقه ما ذكرناه فيما تقدم ولا بأس بإعادته ، فنقول إذا اعتقد الإنسان في عمل من الأعمال أن نفعه زائد وخيره راجح مال طبعه إليه ، وقويت رغبته في حصوله وحصل في القلب استعداد شديد لتحصيله ، فتسمى هذه الحالة بسعة النفس ، وإذا اعتقد في عمل من الأعمال أن شره زائد وضرره راجح عظمت النفرة عنه وحصل في الطبع نفرة ونبوة عن قبوله ، ومعلوم أن الطريق إذا كان ضيقًا لم يتمكن الداخل من الدخول فيه ، وإذا كان واسعًا قدر الداخل على الدخول فيه فإذا حصل اعتقاد أن الأمر الفلاني زائد النفع والخير وحصل الميل إليه ، فقد حصل ذلك الميل في ذلك القلب ، فقيل: اتسع الصدر له وإذا حصل اعتقاد أنه زائد الضرر والمفسدة لم يحصل في القلب ميل إليه فقيل إنه ضيق فقد صار الصدر شبيهًا بالطريق الضيق الذي لا يمكن الدخول فيه ، فهذا تحقيق الكلام في سعة الصدر وضيقه .

والوجه الثاني: في تفسير الشرح يقال: شرح فلان أمره إذا أظهره وأوضحه وشرح المسألة إذا كانت مشكلة فبينها .

واعلم أن لفظ الشرح غير مختص بالجانب الحق ، لأنه وارد في الإسلام في قوله: { أَفَمَن شَرَحَ الله صَدْرَهُ للإسلام } [ الزمر: 22 ] وفي الكفر في قوله: { ولكن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا } [ النحل: 106 ] قال المفسرون: لما نزلت هذه الآية سئل رسول الله A وقيل له: كيف يشرح الله صدره؟ فقال عليه السلام: « يقذف فيه نورًا حتى ينفسح وينشرح » فقيل له وهل لذلك من أمارة يعرف بها؟ فقال عليه السلام: « الإنابة إلى دار الخلود والتجافي عن دار الغرور والاستعداد للموت قبل نزول الموت » وأقول هذا الحديث من أدل الدلائل على صحة ما ذكرناه في تفسير شرح الله الصدر ، وتقريره أن الإنسان إذا تصور أن الاشتغال بعمل الآخرة زائد النفع والخير ، وأن الاشتغال بعمل الدنيا زائد الضرر والشر ، فإذا حصل الجزم بذلك إما بالبرهان أو بالتجربة أو التقليد لا بد وأن يترتب على حصول هذا الاعتقاد حصول الرغبة في الآخرة ، وهو المراد من الإنابة إلى دار الخلود والنفرة عن دار الدنيا ، وهو المراد من التجافي عن دار الغرور ، وأما الاستعداد للموت قبل نزول الموت فهو مشتمل على الأمرين ، أعني النفرة عن الدنيا والرغبة في الآخرة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت