فهرس الكتاب

الصفحة 2981 من 8321

{ وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مّنَ الإنس يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مّنَ الجن } [ الجن: 6 ] .

والوجه الثاني: في تفسير هذا الاستمتاع أن الإنس كانوا يطيعون الجن وينقادون لحكمهم فصار الجن كالرؤساء ، والإنس كالأتباع والخادمين المطيعين المنقادين الذين لا يخالفون رئيسهم ومخدومهم في قليل ولا كثير ، ولا شك أن هذا الرئيس قد انتفع بهذا الخادم ، فهذا استمتاع الجن بالإنس . وأما استمتاع الإنس بالجن ، فهو أن الجن كانوا يدلونهم على أنواع الشهوات واللذات والطيبات ويسهلون تلك الأمور عليهم ، وهذا القول اختيار الزجاج . قال: وهذا أولى من الوجه المتقدم ، والدليل عليه قوله تعالى: { قَدِ استكثرتم مّنَ الإنس } ومن كان يقول من الإنس أعوذ بسيد هذا الوادي ، قليل .

والقول الثاني: أن قوله تعالى: { رَبَّنَا استمتع بَعْضُنَا بِبَعْضٍ } هو كلام الإنس خاصة ، لأن استمتاع الجن بالإنس وبالعكس أمر قليل نادر لا يكاد يظهر . أما استمتاع بعض الإنس ببعض ، فهو أمر ظاهر . فوجب حمل الكلام عليه ، وأيضًا قوله تعالى: { وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُم مّنَ الإنس رَبَّنَا استمتع بَعْضُنَا بِبَعْضٍ } كلام الإنس الذين هم أولياء الجن ، فوجب أن يكون المراد من استمتاع بعضهم ببعض استمتاع بعض أولئك القوم ببعض .

ثم قال تعالى حكاية عنهم: { وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الذى أَجَّلْتَ لَنَا } فالمعنى: أن ذلك الاستمتاع كان حاصلًا إلى أجل معين ووقت محدود ، ثم جاءت الخيبة والحسرة والندامة من حيث لا تنفع ، واختلفوا في أن ذلك الأجل أي الأوقات؟ فقال بعضهم: هو وقت الموت . وقال آخرون: هو وقت التخلية والتمكين . وقال قوم: المراد وقت المحاسبة في القيامة ، والذين قالوا بالقول الأول قالوا إنه يدل على أن كل من مات من مقتول وغيره فإنه يموت بأجله ، لأنهم أقروا أنا بلغنا أجلنا الذي أجلت لنا ، وفيهم المقتول وغير المقتول .

ثم قال تعالى: { قَالَ النار مَثْوَاكُمْ } المثوى: المقام والمقر والمصير ، ثم لا يبعد أن يكون للإنسان مقام ومقر ثم يموت ويتخلص بالموت عن ذلك المثوى ، فبين تعالى أن ذلك المقام والمثوى مخلد مؤبد وهو قوله: { خالدين فِيهَا } .

ثم قال تعالى: { إِلاَّ مَا شَاء الله } وفيه وجوه: الأول: أن المراد منه استثناء أوقات المحاسبة ، لأن في تلك الأحوال ليسوا بخالدين في النار: الثاني: المراد ، الأوقات التي ينقلون فيها من عذاب النار إلى عذاب الزمهرير . وروي أنهم يدخلون واديًا فيه برد شديد فهم يطلبون الرد من ذلك البرد إلى حر الجحيم . الثالث: قال ابن عباس: استثنى الله تعالى قومًا سبق في علمه أنهم يسلمون ويصدقون النبي A . وعلى هذا القول يجب أن تكون «ما» بمعنى «من» قال الزجاج: والقول الأول أولى . لأن معنى الاستثناء إنما هو من يوم القيامة ، لأن قوله: { وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا } هو يوم القيامة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت