فهرس الكتاب

الصفحة 3012 من 8321

{ قُتِلَ الخارصون } [ الذاريات: 10 ] .

والوجه السابع: قوله تعالى: { قُلْ فَلِلَّهِ الحجة البالغة } وتقريره: أنهم احتجوا في دفع دعوة الأنبياء والرسل على أنفسهم بأن قالوا: كل ما حصل فهو بمشيئة الله تعالى ، وإذا شاء الله منا ذلك ، فكيف يمكننا تركه؟ وإذا كنا عاجزين عن تركه ، فكيف يأمرنا بتركه؟ وهل في وسعنا وطاقتنا أن نأتي بفعل على خلاف مشيئة الله تعالى؟ فهذا هو حجة الكفار على الأنبياء ، فقال تعالى: { قُلْ فَلِلَّهِ الحجة البالغة } وذلك من وجهين:

الوجه الأول: أنه تعالى أعطاكم عقولًا كاملة ، وأفهامًا وافية ، وآذانًا سامعة ، وعيونًا باصرة ، وأقدركم على الخير والشر ، وأزال الأعذار والموانع بالكلية عنكم ، فإن شئتم ذهبتم إلى عمل الخيرات ، وإن شئتم إلى عمل المعاصي والمنكرات ، وهذه القدرة والمكنة معلومة الثبوت بالضرورة ، وزوال الموانع والعوائق معلوم الثبوت أيضًا بالضرورة ، وإذا كان الأمر كذلك كان ادعاؤكم أنكم عاجزون عن الإيمان والطاعة دعوى باطلة فثبت بما ذكرنا أنه ليس لكم على الله حجة بالغة! بل لله الحجة البالغة عليكم .

والوجه الثاني: أنكم تقولون: لو كانت أفعالنا واقعة على خلاف مشيئة الله تعالى ، لكنا قد غلبنا الله وقهرناه ، وأتينا بالفعل على مضادته ومخالفته ، وذلك يوجب كونه عاجزًا ضعيفًا ، وذلك يقدح في كونه إلهًا .

فأجاب تعالى عنه: بأن العجز والضعف إنما يلزم إذا لم أكن قادرًا على حملهم على الإيمان والطاعة على سبيل القهر والإلجاء ، وأنا قادر على ذلك وهو المراد من قوله: { وَلَوْ شَآءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ } إلا أني لا أحملكم على الإيمان والطاعة على سبيل القهر والإلجاء ، لأن ذلك يبطل الحكمة المطلوبة من التكليف ، فثبت بهذا البيان أن الذي يقولونه من أنا لو أتينا بعمل على خلاف مشيئة الله ، فإنه يلزم منه كونه تعالى عاجزًا ضعيفًا ، كلام باطل فهذا أقصى ما يمكن أن يذكر في تمسك المعتزلة بهذه الآية .

والجواب المعتمد في هذا الباب أن نقول: إنا بينا أن هذه السورة من أولها إلى آخرها تدل على صحة قولنا ومذهبنا ، ونقلنا في كل آية ما يذكرونه من التأويلات وأجبنا عنها بأجوبة واضحة قوية مؤكدة بالدلائل العقلية القاطعة .

وإذا ثبت هذا ، فلو كان المراد من هذه الآية ما ذكرتم ، لوقع التناقض الصريح في كتاب الله تعالى فإنه يوجب أعظم أنواع الطعن فيه .

إذا ثبت هذا فنقول: إنه تعالى حكى عن القوم أنهم قالوا { لَوْ شَاء الله مَا أَشْرَكْنَا } ثم ذكر عقيبه { كذلك كَذَّبَ الذين مِن قَبْلِهِمْ } فهذا يدل على أن القوم قالوا لما كان الكل بمشيئة الله تعالى وتقديره ، كان التكليف عبثًا ، فكانت دعوى الأنبياء باطلة ، ونبوتهم ورسالتهم باطلة ، ثم إنه تعالى بين أن التمسك بهذا الطريق في إبطال النبوة باطل ، وذلك لأنه إله يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد ، ولا اعتراض عليه لأحد في فعله ، فهو تعالى يشاء الكفر من الكافر ، ومع هذا فيبعث إليه الأنبياء ويأمره بالإيمان ، وورود الأمر على خلاف الإرادة غير ممتنع .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت