فالحاصل: أنه تعالى حكى عن الكفار أنهم يتمسكون بمشيئة الله تعالى في إبطال نبوة الأنبياء ، ثم إنه تعالى بين أن هذا الاستدلال فاسد باطل ، فإنه لا يلزم من ثبوت المشيئة لله في كل الأمور دفع دعوة الأنبياء ، وعلى هذا الطريق فقط سقط هذا الاستدلال بالكلية ، وجميع الوجوه التي ذكرتموها في التقبيح والتهجين عائد إلى تمسككم بثبوت المشيئة لله على دفع دعوة الأنبياء ، فيكون الحاصل: أن هذا الاستدلال باطل ، وليس فيه البتة ما يدل على أن القول بالمشية باطل .
فإن قالوا: هذا العذر إنما يستقيم إذ قرأنا قوله تعالى: { كذلك كَذَّبَ } بالتشديد . وأما إذا قرأناه بالتخفيف ، فإنه يسقط هذا العذر بالكلية فنقول فيه وجهان . الأول: أنا نمنع صحة هذه القراءة ، والدليل عليه أنا بينا أن هذه السورة من أولها إلى آخرها تدل على قولنا: فلو كانت هذه الآية دالة على قولهم ، لوقع التناقض ، ولخرج القرآن عن كونه كلامًا لله تعالى ، ويندفع هذا التناقض بأن لا تقبل هذه القراءة ، فوجب المصير إليه . الثاني: سلمنا صحة هذه القراءة لكنا نحملها على أن القوم كذبوا في أنه يلزم من ثبوت مشيئة الله تعالى في كل أفعال العباد سقوط نبوة الأنبياء وبطلان دعوتهم ، وإذا حملناه على هذا الوجه لم يبق للمعتزلة بهذه الآية تمسك البتة ، والحمد لله الذي أعاننا على الخروج من هذه العهدة القوية ، ومما يقوي ما ذكرناه ما روي أن ابن عباس قيل له بعد ذهاب بصره ما تقول فيمن يقول: لا قدر ، فقال إن كان في البيت أحد منهم أتيت عليه ويله أما يقرأ { إِنَّا كُلَّ شَىْء خلقناه بِقَدَرٍ } [ القمر: 49 ] { إِنَّا نَحْنُ نُحْىِ الموتى وَنَكْتُبُ مَاَ قَدَّمُواْ وَءاثَارَهُمْ } [ ياس: 12 ] وقال ابن عباس: أول ما خلق الله القلم ، قال له اكتب القدر ، فجرى بما يكون إلى قيام الساعة ، وقال صلوات الله عليه: « المكذبون بالقدر مجوس هذه الأمة »
المسألة الثانية: زعم سيبويه أن عطف الظاهر على المضمر المرفوع في الفعل قبيح ، فلا يجوز أن يقال: قمت وزيد ، وذلك لأن المعطوف عليه أصل ، والمعطوف فرع ، والمضمر ضعيف ، والمظهر قوي ، وجعل القوي فرعًا للضعيف ، لا يجوز .
إذا عرفت هذا الأصل فنقول: إن جاء الكلام في جانب الإثبات ، وجب تأكيد الضمير فنقول: قمت أنا وزيد ، وإن جاء في جانب النفي قلت ما قمت ولا زيد .
إذا ثبت هذا فنقول قوله: { لَوْ شَاء الله مَا أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا } فعطف قوله: { وَلاَ آبَاؤُنَا } على الضمير في قوله: { مَا أَشْرَكْنَا } إلا أنه تخلل بينهما كلمة لا فلا جرم حسن هذا العطف . قال في جامع الأصفهاني: إن حرف العطف يجب أن يكون متأخرًا عن اللفظة المؤكدة للضمير حتى يحسن العطف ويندفع المحذور المذكور من عطف القوي على الضعيف ، وهذا المقصود إنما يحصل إذا قلنا: { مَا أَشْرَكْنَا نَّحْنُ وَلا ءآبَاؤُنَا } حتى تكون كلمة { لا } مقدمة على حرف العطف . أما ههنا حرف العطف مقدم على كلمة { لا } وحينئذ يعود المحذور المذكور .