والطائفة الثالثة: الذين حكى الله تعالى عنهم: { أَنَّهُمْ جَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَاء الجن } [ الأنعام: 100 ] وهم القائلون بيزدان وأهرمن .
والطائفة الرابعة: الذين جعلوا لله بنين وبنات ، وأقام الدلائل على فساد أقوال هؤلاء الطوائف والفرق ، فلما بين بالدليل فساد قول هؤلاء الطوائف . قال ههنا: { أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا } .
النوع الثاني: من الأشياء التي أوجبها ههنا قوله: { وبالوالدين إحسانا } وإنما ثنى بهذا التكليف ، لأن أعظم أنواع النعم على الإنسان نعمة الله تعالى ، ويتلوها نعمة الوالدين ، لأن المؤثر الحقيقي في وجود الإنسان هو الله سبحانه وفي الظاهر هو الأبوان ، ثم نعمهما على الإنسان عظيمة وهي نعمة التربية والشفقة والحفظ عن الضياع والهلاك في وقت الصغر .
النوع الثالث: قوله: { وَلاَ تَقْتُلُواْ أولادكم مّنْ إملاق نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ } فأوجب بعد رعاية حقوق الأبوين رعاية حقوق الأولاد وقوله: { وَلاَ تَقْتُلُواْ أولادكم مّنْ إملاق } أي من خوف الفقر وقد صرح بذكر الخوف في قوله: { وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إملاق } [ الإسراء: 31 ] والمراد منه النهي عن الوأد ، إذ كانوا يدفنون البنات أحياء ، بعضهم للغيرة ، وبعضهم خوف الفقر ، وهو السبب الغالب ، فبين تعالى فساد هذه العلة بقوله: { نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ } ، لأنه تعالى إذا كان متكفلًا برزق الوالد والولد ، فكما وجب على الوالدين تبقية النفس والاتكال في رزقها على الله ، فكذلك القول في حال الولد ، قال شمر: أملق ، لازم ومتعد . يقال: أملق الرجل ، فهو مملق ، إذا افتقر ، فهذا لازم ، وأملق الدهر ما عنده ، إذا أفسده ، والإملاق الفساد .
والنوع الرابع: قوله: { وَلاَ تَقْرَبُواْ الفواحش مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ } قال ابن عباس: كانوا يكرهون الزنا علانية ، ويفعلون ذلك سرًا ، فنهاهم الله عن الزنا علانية وسرًا ، والأولى أن لا يخصص هذا النهي بنوع معين ، بل يجري على عمومه في جميع الفواحش ظاهرها وباطنها لأن اللفظ عام والمعنى الموجب لهذا النهي وهو كونه فاحشة عام أيضًا ومع عموم اللفظ والمعنى يكون التخصيص على خلاف الدليل ، وفي قوله: { مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ } دقيقة ، وهي: أن الإنسان إذا احترز عن المعصية في الظاهر ولم يحترز عنها في الباطن دل ذلك على أن احترازه عنها ليس لأجل عبودية الله وطاعته ، ولكن لأجل الخوف من مذمة الناس ، وذلك باطل ، لأن من كان مذمة الناس عنده أعظم وقعًا من عقاب الله ونحوه فإنه يخشى عليه من الكفر ، ومن ترك المعصية ظاهرًا وباطنًا ، دل ذلك على أنه إنما تركها تعظيمًا لأمر الله تعالى وخوفًا من عذابه ورغبة في عبوديته .
والنوع الخامس: قوله: { وَلاَ تَقْتُلُواْ النفس التى حَرَّمَ الله إِلاَّ بالحق } .
واعلم أن هذا داخل في جملة الفواحش إلا أنه تعالى أفرده بالذكر لفائدتين: إحداهما: أن الإفراد بالذكر يدل على التعظيم والتفخيم ، كقوله: { وَمَلَئِكَتُهُ وَجِبْرِيلَ وميكال } [ البقرة: 98 ] والثانية: أنه تعالى أراد أن يستثني منه ، ولا يتأتى هذا الاستثناء في جملة الفواحش .