والقول الثاني: أن أهل الجنة يورثون منازل أهل النار . قال A: « ليس من كافر ولا مؤمن إلا وله في الجنة والنار منزل فإذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار رفعت الجنة لأهل النار فنظروا إلى منازلهم فيها فقيل لهم: هذه منازلكم لو عملتم بطاعة الله ثم يقال يا أهل الجنة رثوهم بما كنتم تعملون فيقسم بين أهل الجنة منازلهم » وقوله: { بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } فيه مسائل:
المسألة الأولى: تعلق من قال العمل يوجب هذا الجزاء بهذه الآية فإن الباء في قوله: { بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } تدل على العلية ، وذلك يدل على أن العمل يوجب هذا الجزاء ، وجوابنا: أنه علة للجزاء لكن بسبب أن الشرع جعله علة له ، لا لأجل أنه لذاته موجب لذلك الجزاء ، والدليل عليه أن نعم الله على العبد لا نهاية لها ، فإذا أتى العبد بشيء من الطاعات وقعت هذه الطاعات في مقابلة تلك النعم السالفة فيمتنع أن تصير موجبة للثواب المتأخر .
المسألة الثانية: طعن بعضهم فقال: هذه الآية تدل على أن العبد إنما يدخل الجنة بعمله ، وقوله عليه السلام: « لن يدخل أحد الجنة بعمله وإنما يدخلها برحمة الله تعالى » وبينهما تناقض ، وجواب ما ذكرنا: أن العمل لا يوجب دخول الجنة لذاته ، وإنما يوجه لأجل أن الله تعالى بفضله جعله علامة عليه ومعرفة له ، وأيضًا لما كان الموفى للعمل الصالح هو الله تعالى كان دخول الجنة في الحقيقة ليس إلا بفضل الله تعالى .
المسألة الثالثة: قال القاضي: قوله تعالى: { وَنُودُواْ أَن تِلْكُمُ الجنة أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } خطاب عام في حق جميع المؤمنين ، وذلك يدل على أن كل من دخل الجنة فإنما يدخلها بعمله ، وإذا كان الأمر كذلك امتنع قول من يقول: إن الفساق يدخلون الجنة تفضلًا من الله تعالى .
إذا ثبت هذا فنقول: وجب أن لا يخرج الفاسق من النار لأنه لو خرج لكان إما أن يدخل الجنة أو لا يدخلها . والثاني: باطل بالإجماع ، والأول: لا يخلو إما أن يدخل الجنة على سبيل التفضل أو على سبيل الاستحقاق ، والأول باطل ، لأنا بينا أن هذه الآية تدل على أن أحدًا لا يدخل الجنة بالتفضل ، والثاني: أيضًا باطل لأنه لما دخل النار وجب أن يقال: إنه كان مستحقًا للعقاب فلو أدخل الجنة على سبيل الاستحقاق لزم كونه مستحقًا للثواب ، وحينئذ يلزم حصول الجمع بين استحقاق الثواب واستحقاق العقاب وهو محال لأن الثواب منفعة دائمة خالصة عن شوائب الضرر والعقاب مضرة دائمة خالصة عن شوائب المنفعة والجمع بينهما محال . وإذا كان كذلك كان الجمع بين حصول استحقاقهما محالًا .
والجواب: هذا بناء على أن استحقاق الثواب والعقاب لا يجتمعان . وقد بالغنا في إبطال هذا الكلام في سورة البقرة ، والله أعلم .