فهرس الكتاب

الصفحة 3103 من 8321

والجواب عن الأول: أنه يحتمل أن يكون قوله: { وَنُودُواْ أَن تِلْكُمُ الجنة أُورِثْتُمُوهَا } خطاب مع قوم معينين ، فلم يلزم أن يكون لكل أهل الجنة كذلك .

والجواب عن الثاني: أنا لا نسلم أنه تعالى أجلسهم على تلك المواضع على سبيل التخصيص بمزيد التشريف والإكرام ، وإنما أجلسهم عليها لأنها كالمرتبة المتوسطة بين الجنة والنار ، وهل النزاع إلا في ذلك؟ فثبت أن الحجة التي عولوا عليها في إبطال هذا الوجه ضعيفة .

الوجه الثاني: من الوجوه المذكورة في تفسير أصحاب الأعراف قالوا: المراد من أصحاب الأعراف أقوام خرجوا إلى الغزو بغير إذن آبائهم فاستشهدوا فحبسوا بين الجنة والنار .

واعلم أن هذا القول داخل في القول الأول لأن هؤلاء ، إنما صاروا من أصحاب الأعراف لأن معصيتهم ساوت طاعتهم بإجهاد ، فهذا أحد الأمور الداخلة تحت الوجه الأول وبتقدير أن يصح ذلك الوجه فلا معنى لتخصيص هذه الصورة وقصر لفظ الآية عليها .

والوجه الثالث: قال عبد الله بن الحرث: إنهم مساكين أهل الجنة .

والوجه الرابع: قال قوم إنهم الفساق من أهل الصلاة يعفو الله عنهم ويسكنهم في الأعراف فهذا كله شرح قول من يقول: الأعراف عبارة عن الأمكنة العالية على السور المضروب بين الجنة وبين النار . وأما الذين يقولون الأعراف عبارة عن الرجال الذين يعرفون أهل الجنة وأهل النار؛ فهذا القول أيضًا غير بعيد إلا أن هؤلاء الأقوام لا بد لهم من مكان عال يشرفون منه على أهل الجنة ، وأهل النار وحينئذ يعود هذا القول إلى القول الأول ، فهذه تفاصيل أقوال الناس في هذا الباب . والله أعلم ، ثم إنه تعالى أخبر أن أصحاب الأعراف يعرفون كلا من أهل الجنة وأهل النار بسيماهم واختلفوا في المراد بقوله: { بسيماهم } على وجوه .

فالقول الأول: وهو قول ابن عباس: أن سيما الرجل المسلم من أهل الجنة بياض وجهه ، كما قال تعالى: { يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ } [ آل عمران: 106 ] وكون وجوههم مسفرة ضاحكة مستبشرة ، وكون كل واحد منهم أغر محجلًا من آثار الوضوء ، وعلامة الكفار سواد وجوههم ، وكون وجوههم عليها غبرة ترهقها قترة ، وكون عيونهم زرقًا .

ولقائل أن يقول: إنهم لما شاهدوا أهل الجنة في الجنة ، وأهل النار في النار ، فأي حاجة إلى أن يستدل على كونهم من أهل الجنة بهذه العلامات؟ لأن هذا يجري مجرى الاستدلال على ما علم وجوده بالحس ، وذلك باطل . وأيضًا فهذه الآية تدل على أن أصحاب الأعراف مختصون بهذه المعرفة ، ولو حملناه على هذا الوجه لم يبق هذا الاختصاص ، لأن هذه الأحوال أمور محسوسة ، فلا يختص بمعرفتها شخص دون شخص .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت