والقول الثاني: في تفسير هذه الآية أن أصحاب الأعراف كانوا يعرفون المؤمنين في الدنيا بظهور علامات الإيمان والطاعات عليهم ويعرفون الكافرين في الدنيا أيضًا بظهور علامات الكفر والفسق عليهم ، فإذا شاهدوا أولئك الأقوام في محفل القيامة ميزوا البعض عن البعض بتلك العلامات التي شاهدوها عليهم في الدنيا ، وهذا الوجه هو المختار .
أما قوله تعالى: { وَنَادَوْاْ أصحاب الجنة أَن سلام عَلَيْكُمْ } فالمعنى إنهم إذا نظروا إلى أهل الجنة سلموا على أهلها ، وعند هذا تم كلام أهل الأعراف .
ثم قال: { لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ } والمعنى أنه تعالى أخبر أن أهل الأعراف لم يدخلوا الجنة ، ومع ذلك فهم يطمعون في دخولها ، ثم إن قلنا إن أصحاب الأعراف هم الأشراف من أهل الجنة فقد ذكرنا أنه تعالى إنما أجلسهم على الأعراف وأخر إدخالهم الجنة ليطلعوا على أحوال أهل الجنة والنار ، ثم إنه تعالى ينقلهم إلى الدرجات العالية في الجنة كما روي عن النبي A أنه قال:"إن أهل الدرجات العلا ليراهم من تحتهم كما ترون الكوكب الدري في أفق السماء ، وأن أبا بكر وعمر منهم"وتحقيق الكلام أن أصحاب الأعراف هم أشراف أهل القيامة ، فعند وقوف أهل القيامة في الموقف يجلس الله أهل الأعراف في الاعراف ، وهي المواضع العالية الشريفة فإذا أدخل أهل الجنة الجنة ، وأهل النار النار نقلهم إلى الدرجات العالية في الجنة ، فهم أبدًا لا يجلسون إلا في الدرجات العالية . وأما إن فسرنا أصحاب الأعراف بأنهم الذين يكونون في الدرجة النازلة من أهل النجاة قلنا إنه تعالى يجلسهم في الأعراف وهم يطعمون من فضل الله وإحسانه أن ينقلهم من تلك المواضع إلى الجنة . وأما قوله تعالى: { وَإِذَا صُرِفَتْ أبصارهم تِلْقَاء أصحاب النار } فقال الواحدي C التلقاء جهة اللقاء ، وهي جهة المقابلة ، ولذلك كان ظرفًا من ظروف المكان يقال فلان تلقاءك كما يقال هو حذاءك ، وهو في الأصل مصدر استعمل ظرفًا ، ثم نقل الواحدي C بإسناده عن ثعلب عن الكوفيين والمبرد عن البصريين أنهما قالا: لم يأت من المصادر على تفعال «إلا» حرفان تبيان وتلقاء ، فإذا تركت هذين استوى ذلك القياس ، فقلت في كل مصدر تفعال بفتح التاء ، مثل تسيار وترسال . وقلت في كل اسم تفعال بكسر التاء ، مثل تمثال وتقصار ، ومعنى الآية: أنه كلما وقعت أبصار أصحاب الأعراف على أهل النار تضرعوا إلى الله تعالى في أن لا يجعلهم من زمرتهم . والمقصود من جميع هذه الآيات التخويف ، حتى يقدم المرء على النظر والاستدلال ، ولا يرضى بالتقليد ليفوز بالدين الحق ، فيصل بسببه إلى الثواب المذكور في هذه الآيات ، ويتخلص عن العقاب المذكور فيها .