فهرس الكتاب

الصفحة 3114 من 8321

أما قوله تعالى: { ثُمَّ استوى عَلَى العرش } فاعلم أنه لا يمكن أن يكون المراد منه كونه مستقرًا على العرش ويدل على فساده وجوه عقلية ، ووجوه نقلية . أما العقلية فأمور: أولها: أنه لو كان مستقرًا على العرش لكان من الجانب الذي يلي العرش متناهيًا وإلا لزم كون العرش داخلًا في ذاته وهو محال ، وكل ما كان متناهيًا فإن العقل يقضي بأنه لا يمنع أن يصير أزيد منه أو أنقص منه بذرة والعلم بهذا الجواز ضروري ، فلو كان الباري تعالى متناهيًا من بعض الجوانب لكانت ذاته قابلة للزيادة والنقصان ، وكل ما كان كذلك كان اختصاصه بذلك المقدار المعين لتخصيص مخصص وتقدير مقدر ، وكل ما كان كذلك فهو محدث ، فثبت أنه تعالى لو كان على العرش لكان من الجانب الذي يلي العرش متناهيًا ، ولو كان كذلك لكان محدثًا وهذا محال فكونه على العرش يجب أن يكون محالًا . وثانيها: لو كان في مكان وجهة لكان إما أن يكون غير متناه من كل الجهات ، وإما أن يكون متناهيًا في كل الجهات . وإما أن يكون متناهيًا من بعض الجهات دون البعض والكل باطل فالقول بكونه في المكان والحيز باطل قطعًا .

بيان فساد القسم الأول: أنه يلزم أن تكون ذاته مخالطة لجميع الأجسام السفلية والعلوية ، وأن تكون مخالطة للقاذورات والنجاسات ، وتعالى الله عنه ، وأيضًا فعلى هذا التقدير: تكون السموات حالة في ذاته ، وتكون الأرض أيضًا حالة في ذاته .

إذا ثبت هذا فنقول: الشيء الذي هو محل السموات ، إما أن يكون هو عين الشيء الذي هو محل الأرضين أو غيره ، فإن كان الأول لزم كون السموات والأرضين حالتين في محل واحد من غير امتياز بين محليهما أصلًا ، وكل حالين حلا في محل واحد ، لم يكن أحدهما ممتازًا عن الآخر ، فلزم أن يقال: السموات لا تمتاز عن الأرضين في الذات ، وذلك باطل ، وإن كان الثاني: لزم أن تكون ذات الله تعالى مركبة من الأجزاء والأبعاض وهو محال . والثالث: وهو أن ذات الله تعالى إذا كانت حاصلة في جميع الأحياز والجهات ، فإما أن يقال: الشيء الذي حصل فوق هو عين الشيء الذي حصل تحت ، فحينئذ تكون الذات الواحدة قد حصلت دفعة واحدة في أحياز كثيرة ، وإن عقل ذلك فلم لا يعقل أيضًا حصول الجسم الواحد في أحياز كثيرة دفعة واحدة؟ وهو محال في بديهة العقل . وأما إن قيل: الشيء الذي حصل فوق غير الشيء الذي حصل تحت ، فحينئذ يلزم حصول التركيب والتبعيض في ذات الله تعالى وهو محال .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت