فهرس الكتاب

الصفحة 3115 من 8321

وأما القسم الثاني: وهو أن يقال: أنه تعالى متناه من كل الجهات . فنقول: كل ما كان كذلك فهو قابل للزيادة والنقصان في بديهة العقل ، وكل ما كان كذلك كان اختصاصه بالمقدار المعين ، لأجل تخصيص مخصص ، وكل ما كان كذلك فهو محدث ، وأيضًا فإن جاز أن يكون الشيء المحدود من كل الجوانب قديمًا أزليًا فاعلًا للعالم ، فلم لا يعقل أن يقال: خالق العالم هو الشمس ، أو القمر ، أو كوكب آخر ، وذلك باطل باتفاق .

وأما القسم الثالث: وهو أن يقال: أنه متناه من بعض الجوانب ، وغير متناه من سائر الجوانب ، فهذا أيضًا باطل من وجوه: أحدها: أن الجانب الذي صدق عليه كونه متناهيًا غير ما صدق عليه كونه غير متناه ، وإلا لصدق النقيضان معًا وهو محال . وإذا حصل التغاير لزم كونه تعالى مركبًا من الأجزاء والأبعاض ، وثانيها: أن الجانب الذي صدق حكم العقل عليه بكونه متناهيًا ، إما أن يكون مساويًا للجانب الذي صدق حكم العقل عليه بكونه غير متناه ، وإما أن لا يكون كذلك ، والأول باطل ، لأن الأشياء المتساوية في تمام الماهية كل ما صح على واحد منها صح على الباقي ، وإذا كان كذلك: فالجانب للذي هو غير متناه يمكن أن يصير متناهيًا ، والجانب الذي هو متناه يمكن أن يصير غير متناه ، ومتى كان الأمر كذلك كان النمو والذبول والزيادة والنقصان والتفرق والتمزق على ذاته ممكنًا ، وكل ما كان كذلك فهو محدث ، وذلك على الإله القديم محال ، فثبت أنه تعالى لو كان حاصلًا في الحيز والجهة ، لكان إما أن يكون غير متناه من كل الجهات وإما أن يكون متناهيًا من كل الجهات ، أو كان متناهيًا من بعض الجهات ، وغير متناه من سائر الجهات ، فثبت أن الأقسام الثلاثة باطلة ، فوجب أن نقول القول بكونه تعالى حاصلًا في الحيز والجهة محال .

والبرهان الثالث: لو كان الباري تعالى حاصلًا في المكان والجهة ، لكان الأمر المسمى بالجهة إما أن يكون موجودًا مشارًا إليه ، وإما أن لا يكون كذلك ، والقسمان باطلان ، فكان القول بكونه تعالى حاصلًا في الحيز والجهة باطلًا .

أما بيان فساد القسم الأول: فلأنه لو كان المسمى بالحيز والجهة موجودًا مشارًا إليه ، فحينئذ يكون المسمى بالحيز والجهة بعدًا وامتداد ، والحاصل فيه أيضًا يجب أن يكون له في نفسه بُعْدُ وامتداد ، وإلا لامتنع حصوله فيه ، وحينئذ يلزم تداخل البعدين ، وذلك محال للدلائل الكثيرة ، المشهورة في هذا الباب ، وأيضًا فيلزم من كون الباري تعالى قديمًا أزليًا كون الحيز والجهة أزليين ، وحينئذ يلزم أن يكون قد حصل في الأزل موجود قائم بنفسه سوى الله تعالى ، وذلك بإجماع أكثر العقلاء باطل .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت